محمد بن جرير الطبري
374
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
ولم يجدوا بدا من الاقدام ، ومعهم بنات مخاض ، تتبعهم فلما نودي بالرحيل صروا الأمهات ، واحتقبوا المنتوجات ، لأنها لم تطق السير ، فانتهوا ركبانا إلى الأنبار ، وقد تحصن أهل الأنبار ، وخندقوا عليهم ، وأشرفوا من حصنهم ، وعلى تلك الجنود شيرزاد صاحب ساباط - وكان اعقل أعجمي يومئذ واسوده واقنعه في الناس : العرب والعجم - فتصايح عرب الأنبار يومئذ من السور ، وقالوا : صبح الأنبار شر ، جمل يحمل جميله وجمل تربه عوذ فقال شيرزاد : ما يقولون ؟ ففسر له ، فقال : اما هؤلاء فقد قضوا على أنفسهم ، وذلك ان القوم إذا قضوا على أنفسهم قضاء كاد يلزمهم ، والله لئن لم يكن خالد مجتازا لاصالحنه ، فبيناهم كذلك قدم خالد على المقدمة ، فاطاف بالخندق ، وانشب القتال ، وكان قليل الصبر عنه إذا رآه أو سمع به ، وتقدم إلى رماته ، فأوصاهم وقال : انى أرى أقواما لا علم لهم بالحرب ، فارموا عيونهم ولا توخوا غيرها ، فرموا رشقا واحدا ، ثم تابعوا ، ففقئ الف عين يومئذ ، فسميت تلك الوقعة ذات العيون ، وتصايح القوم : ذهبت عيون أهل الأنبار ! فقال شيرزاذ : ما يقولون ؟ ففسر له ، فقال : آباذ آباذ فراسل خالدا في الصلح على امر لم يرضه خالد ، فرد رسله ، واتى خالد أضيق مكان في الخندق برذايا الجيش فنحرها ، ثم رمى بها فيه فافعمه ، ثم اقتحم الخندق - والردايا جسورهم - فاجتمع المسلمون والمشركون في الخندق وأرز القوم إلى حصنهم ، وراسل شيرزاد خالدا في الصلح على ما أراد ، فقبل منه على أن يخليه ويلحقه بمامنه في جريدة خيل ، ليس معهم من المتاع والأموال شيء ، فخرج شيرزاد ، فلما قدم على بهمن جاذويه ، فأخبره الخبر لامه ، فقال : انى كنت في قوم ليست لهم عقول ، وأصلهم من العرب ، فسمعتهم مقدمهم علينا يقضون على أنفسهم ، وقلما قضى قوم على أنفسهم قضاء الا وجب عليهم ثم قاتلهم الجند ،