محمد بن جرير الطبري

356

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

ونصاراهم ، فاقبل فلما طلع على جابان باليس ، قالت الأعاجم لجابان : ا نعاجلهم أم نغدى الناس ولا نريهم انا نحفل بهم ، ثم نقاتلهم بعد الفراغ ؟ فقال جابان : ان تركوكم والتهاون بكم فتهاونوا ، ولكن ظني بهم ان سيعجلونكم ويعجلونكم عن الطعام فعصوه وبسطوا البسط ووضعوا الأطعمة ، وتداعوا إليها ، وتوافوا عليها فلما انتهى خالد إليهم ، وقف وامر بحط الأثقال ، فلما وضعت توجه إليهم ، ووكل خالد بنفسه حوامى يحمون ظهره ، ثم بدر امام الصف ، فنادى : اين أبجر ؟ اين عبد الأسود ؟ اين مالك بن قيس ؟ رجل من جذره ، فنكلوا عنه جميعا الا مالكا ، فبرز له ، فقال له خالد : يا بن الخبيثة ، ما جراك على من بينهم ، وليس فيك وفاء ! فضربه فقتله ، واجهض الأعاجم عن طعامهم قبل ان يأكلوا ، فقال جابان : ا لم أقل لكم يا قوم ! اما والله ما دخلتنى من رئيس وحشة قط حتى كان اليوم ، فقالوا حيث لم يقدروا على الاكل تجلدا : ندعها حتى نفرغ منهم ، ونعود إليها . فقال جابان : وأيضا أظنكم والله لهم وضعتموها وأنتم لا تشعرون ، فالان فأطيعوني ، سموها ، فان كانت لكم فأهون هالك ، وان كانت عليكم كنتم قد صنعتم شيئا ، وابليتم عذرا فقالوا : لا ، اقتدارا عليهم فجعل جابان على مجنبتيه عبد الأسود وأبجر ، وخالد على تعبئته في الأيام التي قبلها ، فاقتتلوا قتالا شديدا ، والمشركون يزيدهم كلبا وشده ما يتوقعون من قدوم بهمن جاذويه ، فصابروا المسلمين للذي كان في علم الله ان يصيرهم اليه ، وحرب المسلمون عليهم ، وقال خالد : اللهم ان لك على أن منحتنا أكتافهم الا استبقى منهم أحدا قدرنا عليه حتى اجرى نهرهم بدمائهم ! ثم إن الله عز وجل كشفهم للمسلمين ، ومنحهم أكتافهم ، فامر خالد مناديه ، فنادى في الناس : الأسر الأسر ! لا تقتلوا الا من امتنع ، فأقبلت الخيول بهم أفواجا مستاسرين يساقون سوقا ، وقد وكل بهم رجالا يضربون أعناقهم في النهر ، ففعل ذلك بهم يوما وليله ، وطلبوهم الغد وبعد الغد ،