محمد بن جرير الطبري

218

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

ذكر الخبر عما جرى بين المهاجرين والأنصار في امر الإمارة في سقيفة بنى ساعده حدثنا هشام بن محمد ، عن أبي مخنف ، قال : حدثني عبد الله ابن عبد الرحمن بن أبي عمره الأنصاري ، ان النبي ص لما قبض اجتمعت الأنصار في سقيفة بنى ساعده ، فقالوا : نولي هذا الأمر بعد محمد ع سعد بن عباده ، واخرجوا سعدا إليهم وهو مريض ، فلما اجتمعوا قال لابنه أو بعض بنى عمه : انى لا أقدر لشكواي ان اسمع القوم كلهم كلامي ، ولكن تلق منى قولي فاسمعهموه ، فكان يتكلم ويحفظ الرجل قوله ، فيرفع صوته فيسمع أصحابه ، فقال بعد ان حمد الله واثنى عليه : يا معشر الأنصار ، لكم سابقه في الدين وفضيلة في الاسلام ليست لقبيله من العرب ، ان محمدا ع لبث بضع عشره سنه في قومه يدعوهم إلى عباده الرحمن وخلع الأنداد والأوثان ، فما آمن به من قومه الا رجال قليل ، وكان ما كانوا يقدرون على أن يمنعوا رسول الله ، ولا ان يعزوا دينه ، ولا ان يدفعوا عن أنفسهم ضيما عموا به ، حتى إذا أراد بكم الفضيلة ، ساق إليكم الكرامة وخصكم بالنعمة ، فرزقكم الله الايمان به وبرسوله ، والمنع له ولأصحابه ، والاعزاز له ولدينه ، والجهاد لأعدائه ، فكنتم أشد الناس على عدوه منكم ، واثقله على عدوه من غيركم ، حتى استقامت العرب لامر الله طوعا وكرها ، واعطى البعيد المقادة صاغرا داخرا ، حتى أثخن الله عز وجل لرسوله بكم الأرض ، ودانت بأسيافكم له العرب ، وتوفاه الله وهو عنكم راض ، وبكم قرير عين استبدوا بهذا الأمر فإنه لكم دون الناس . فأجابوه بأجمعهم : ان قد وفقت في الرأي وأصبت في القول ، ولن نعدو ما رايت ، ونوليك هذا الأمر ، فإنك فينا مقنع ولصالح المؤمنين رضا ثم إنهم ترادوا الكلام بينهم ، فقالوا : فان أبت مهاجره قريش ، فقالوا : نحن المهاجرون وصحابه رسول الله الأولون ، ونحن عشيرته وأولياؤه ، فعلام تنازعوننا هذا الأمر بعده ! فقالت طائفه منهم : فانا نقول إذا : منا أمير