محمد بن جرير الطبري
85
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
وأبى الا ركوب رايه ، وكان فيمن نهاه عن ذلك رجل كان يخصه ويجتبى رايه ، يقال له مزدبوذ ، فلما رأى مزدبوذ لجاجته ، كتب ما دار بينهما في صحيفة ، وسأله الختم عليها ، ومضى فيروز لوجهه نحو بلاد اخشنوار ، وقد كان اخشنوار حفر خندقا بينه وبين بلاد فيروز عظيما ، فلما انتهى اليه فيروز عقد عليه القناطر ، ونصب عليها رايات جعلها اعلاما له ولأصحابه في انصرافهم ، وجاز إلى القوم ، فلما التقى بعسكرهم احتج عليه اخشنوار بالكتاب الذي كتبه له ، ووعظه بعهده وميثاقه ، فأبى فيروز الا لجاجا ومحكا وتواقفا ، فكلم كل واحد منهما صاحبه كلاما طويلا ، ونشبت بينهما بعد ذلك الحرب ، وأصحاب فيروز على فتور من امرهم ، للعهد الذي كان بينهم وبين الهياطلة ، واخرج اخشنوار الصحيفة التي كتبها له فيروز ، فرفعها على رمح وقال : اللهم خذ بما في هذا الكتاب فانهزم فيروز وسها عن موضع الرايات ، وسقط في الخندق ، فهلك ، وأخذ اخشنوار أثقال فيروز ونساءه وأمواله ودواوينه ، وأصاب جند فارس شيء لم يصبهم مثله قط وكان بسجستان رجل من أهل كوره أردشير خره من الأعاجم ، ذو علم وباس وبطش ، يقال له : سوخرا ، ومعه جماعه من الأساورة ، فلما بلغه خبر فيروز ركب من ليلته ، فاغذ السير حتى انتهى إلى اخشنوار ، فأرسل اليه وآذنه بالحرب ، وتوعده بالجائحه والبوار ، فبعث اليه اخشنوار جيشا عظيما فلما التقوا ركب إليهم سوخرا فوجدهم مدلين ، فيقال : انه رمى بعض من ورد عليه منهم رميه فوقعت بين عيني فرسه حتى كادت النشابة تغيب في رأسه ، فسقط الفرس وتمكن سوخرا من راكبه ، فاستبقاه وقال له : انصرف إلى صاحبك فأخبره بما رايت ، فانصرفوا إلى اخشنوار ، وحملوا الفرس معهم ، فلما رأى اثر الرمية بهت وارسل إلى سوخرا : ان سل حاجتك ، فقال له : حاجتي ان ترد على الديوان ، وتطلق الأسرى ففعل ذلك ، فلما صار الديوان في يده ، واستنفذ الأسرى ، استخرج من الديوان بيوت الأموال التي كانت