محمد بن جرير الطبري
64
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
بمن كان قبل مملكته بالسنن الصالحة وبأدبهم وكانوا لسوء أدبه ، ومخافه سطوته ، متواصلين متعاونين ، وكان من رايه ان يعاقب كل من زل عنده وأذنب اليه من شده العقوبة بما لا يستطاع ان يبلغ منه مثلها في مده ثلاثمائة . وكان لذلك لا يقرعه بسوط انتظارا منه للمعاقبه له بما ليس وراءه أفظع منه . وكان إذا بلغه ان أحدا من بطانته صافي رجلا من أهل صناعته أو طبقته نحاه عن خدمته . وكان استوزر عند ولايته نرسى حكيم دهره وكان نرسى كاملا في أدبه ، فاضلا في جميع مذاهبه ، متقدما لأهل زمانه وكانوا يسمونه مهر نرسى ومهر نرسه ، ويلقب بالهزار بنده ، فأملت الرعية بما كان منه ان ينزع عن أخلاقه ، وان يصلح نرسى منه ، فلما استوى له الملك ، اشتدت اهانته الاشراف والعظماء ، وحمل على الضعفاء ، وأكثر من سفك الدماء ، وتسلط تسلطا لم يبتل الرعية بمثله في أيامه فلما رأى الوجوه والاشراف انه لا يزداد الا تتايعا في الجور ، اجتمعوا فشكوا ما ينزل بهم من ظلمه ، وتضرعوا إلى ربهم ، وابتهلوا اليه بتعجيل إنقاذهم منه فزعموا أنه كان بجرجان ، فرأى ذات يوم في قصره فرسا عائرا - لم ير مثله في الخيل ، في حسن صوره ، وتمام خلق - اقبل حتى وقف على بابه ، فتعجب الناس منه ، لأنه كان متجاوز الحال ، فأخبر يزدجرد خبره ، فامر به ان يسرج ويلجم ، ويدخل عليه ، فحاول ساسته وصاحب مراكبه الجامه واسراجه ، فلم يمكن أحدا منهم من ذلك ، فانهى اليه امتناع الفرس عليهم ، فخرج ببدنه إلى الموضع الذي كان فيه ذلك الفرس فألجمه بيده ، والقى لبدا على ظهره ، ووضع فوقه سرجا ، وشد حزامه ولببه فلم يتحرك الفرس بشيء من ذلك ، حتى إذا رفع ذنبه ليثفره استدبره الفرس فرمحه على فؤاده رمحه هلك منها مكانه ، ثم لم يعاين ذلك الفرس ويقال : ان الفرس ملا فروجه جريا فلم يدرك ولم