محمد بن جرير الطبري

462

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

قال : وكنت رجلا ضعيفا ، وكنت اعمل القداح ، أنحتها في حجره زمزم ، فوالله انى لجالس فيها انحت القداح ، وعندي أم الفضل جالسه ، وقد سرنا ما جاءنا من الخبر ، إذ اقبل الفاسق أبو لهب يجر رجليه بشر ، حتى جلس على طنب الحجرة ، فكان ظهره إلى ظهري ، فبينا هو جالس إذ قال الناس : هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب قد قدم قال : فقال أبو لهب : هلم إلى يا بن أخي ، فعندك الخبر قال : فجلس اليه ، والناس قيام عليه ، فقال : يا بن أخي ، أخبرني ، كيف كان امر الناس ؟ قال : لا شيء ، والله ان كان الا ان لقيناهم ، فمنحناهم أكتافنا ، يقتلوننا ويأسرون كيف شاءوا ، وأيم الله مع ذلك ما لمت الناس ، لقينا رجالا بيضا على خيل بلق بين السماء والأرض ، ما تليق شيئا ولا يقوم لها شيء قال أبو رافع : فرفعت طنب الحجرة بيدي ، ثم قلت : تلك الملائكة قال : فرفع أبو لهب يده فضرب وجهي ضربه شديده ، قال : فثاورته ، فاحتملني ، فضرب بي الأرض ثم برك على يضربني - وكنت رجلا ضعيفا - فقامت أم الفضل إلى عمود من عمد الحجرة ، فأخذته فضربته به ضربه فشجت في رأسه شجه منكره ، وقالت : تستضعفه ان غاب عنه سيده ! فقام موليا ذليلا ، فوالله ما عاش الا سبع ليال حتى رماه الله عز وجل بالعدسة فقتلته ، فلقد تركه ابناه ليلتين أو ثلاثا ما يدفنانه حتى أنتن في بيته - وكانت قريش تتقى العدسة وعدوتها كما يتقى الناس الطاعون - حتى قال لهما رجل من قريش : ويحكما ! الا تستحيان ان أباكما قد أنتن في بيته لا تغيبانه ! فقالا : انا نخشى هذه القرحة ، قال : فانطلقا فانا معكما ، فما غسلوه الا قذفا بالماء عليه من بعيد ، ما يمسونه ، ثم احتملوه فدفنوه بأعلى مكة إلى جدار ، وقذفوا عليه الحجارة حتى واروه