محمد بن جرير الطبري
46
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
فأخرجوا إلى حجره الإيوان ، فأعطوا صوالجه ، فلعبوا بالكره وهو في الإيوان على سريره ، فدخلت الكره في الإيوان الذي هو فيه ، فكاع الغلمان جميعا ان يدخلوا الإيوان ، واقدم سابور من بينهم فدخل فاستدل أردشير بدخوله عليه ، واقدامه وجراته مع ما كان من قبول نفسه له أول مره حين رآه ، ورقته عليه دون أصحابه انه ابنه فقال له أردشير بالفارسية : ما اسمك ؟ فقال الغلام : شاه بور ، فقال : أردشير : شاه بور ! فلما ثبت عنده انه ابنه شهر امره ، وعقد له التاج من بعده . وكان سابور قد ابتلى منه أهل فارس - قبل ان يفضى اليه الملك في حياه أبيه - عقلا وفضلا وعلما ، مع شده بطش ، وبلاغة منطق ، ورافه بالرعية ورقه فلما عقد التاج على رأسه ، اجتمع اليه العظماء ، فدعوا له بطول البقاء ، واطنبوا في ذكر والده وذكر فضائله ، فأعلمهم انهم لم يكونوا يستدعون إحسانه بشيء يعدل عنده ذكرهم والده ، ووعدهم خيرا . ثم امر بما كان في الخزائن من الأموال ، فوسع بها على الناس ، وقسمها فيمن رآه لها موضعا ، من الوجوه والجنود وأهل الحاجة ، وكتب إلى عماله بالكور والنواحي ان يفعلوا مثل ذلك في الأموال التي في أيديهم ، فوصل من فضله وإحسانه إلى القريب والبعيد ، والشريف والوضيع ، والخاص والعام ما عمهم ورفغت معايشهم ثم تخير لهم العمال ، واشرف عليهم وعلى الرعية اشرافا شديدا ، فبان فضل سيرته ، وبعد صوته ، وفاق جميع الملوك . وقيل : انه سار إلى مدينه نصيبين ، لإحدى عشره سنه مضت من ملكه ، وفيها جنود من جنود الروم ، فحاصرهم حينا ، ثم أتاه عن ناحية من خراسان ما احتاج إلى مشاهدته ، فشخص إليها حتى احكم امرها ، ثم رجع إلى نصيبين وزعموا ان سور المدينة تصدع وانفرجت له فرجه دخل منها ،