محمد بن جرير الطبري

34

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

جرجيس إلى الايمان فآمنت ، وامرها فكتمت ايمانها فلما أصبح غدا به إلى بيت الأصنام ليسجد لها ، وقيل للعجوز التي كان سجن في بيتها : هل علمت أن جرجيس قد فتن بعدك ، واصغى إلى الدنيا ، واطمعه الملك في ملكه ، وقد خرج به إلى بيت أصنامه ليسجد لها ! فخرجت العجوز في اعراضهم ، تحمل ابنها على عاتقها ، وتوبخ جرجيس ، والناس مشتغلون عنها فلما دخل جرجيس بيت الأصنام ، ودخل الناس معه ، نظر فإذا العجوز وابنها على عاتقها أقرب الناس منه مقاما ، فدعا ابن العجوز باسمه ، فنطق بإجابته ، وما تكلم قبل ذلك قط ، ثم اقتحم عن عاتق أمه يمشى على رجليه سويتين ، وما وطيء الأرض قبل ذلك قط بقدميه ، فلما وقف بين يدي جرجيس قال : اذهب ، فادع لي هذه الأصنام ، وهي حينئذ على منابر من ذهب ، واحد وسبعون صنما ، وهم يعبدون الشمس والقمر معها ، فقال له الغلام : كيف أقول للأصنام ؟ قال : تقول لها : ان جرجيس يسألك ويعزم عليك بالذي خلقك الا ما جئته فلما قال لها الغلام ذلك ، أقبلت تدحرج إلى جرجيس ، فلما انتهت اليه ركض الأرض برجله ، فخسف بها وبمنابرها ، وخرج إبليس من جوف صنم منها هاربا فرقا من الخسف ، فلما مر بجرجيس ، أخذ بناصيته ، فخضع له برأسه وعنقه ، وكلمه جرجيس فقال له : أخبرني أيتها الروح النجسه ، والخلق الملعون ، ما الذي يحملك على أن تهلك نفسك ، وتهلك الناس معك ، وأنت تعلم انك وجندك تصيرون إلى جهنم ! فقال له إبليس : لو خيرت بين ما أشرقت عليه الشمس ، واظلم عليه الليل ، وبين هلكه بني آدم وضلالتهم أو واحد منهم طرفه عين ، لاخترت طرفه العين على ذلك كله ، وانه ليقع لي من الشهوة في ذلك واللذة مثل جميع ما يتلذذ به جميع الخلق ا لم تعلم يا جرجيس ان الله اسجد لأبيك آدم جميع الملائكة ، فسجد له : جبريل ، وميكائيل ، وإسرافيل ، وجميع الملائكة