محمد بن جرير الطبري

29

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

الزرع ، وأينع وحصد ، ثم داس وذرى ، وطحن وعجن ، وخبز واكل ذلك في ساعة واحده كما ترون ! قال له الملك : هل تقدر على أن تمسخه لي دابه ؟ قال الساحر : اى دابه امسخه لك ؟ قال : كلبا ، قال : ادع لي بقدح من ماء ، فلما اتى بالقدح نفث فيه الساحر ، ثم قال للملك : اعزم عليه ان يشربه ، فشربه جرجيس حتى اتى على آخره ، فلما فرغ منه قال له الساحر : ما ذا تجد ؟ قال : ما أجد الا خيرا ، قد كنت عطشت فلطف الله لي بهذا الشراب ، فقوانى به عليكم فلما قال له ذلك اقبل الساحر على الملك فقال : اعلم أيها الملك ، انك لو كنت تقاسى رجلا مثلك إذا كنت غلبته ، ولكنك تقاسى جبار السماوات ، وهو الملك الذي لا يرام ! وقد كانت امراه مسكينه ، سمعت بجرجيس وما يصنع من الأعاجيب ، فاتته وهو في أشد ما هو فيه من البلاء ، فقالت له : يا جرجيس ، انى امراه مسكينه ، لم يكن لي مال ولا عيش الا ثور كنت احرث عليه فمات ، وجئتك لترحمني وتدعو الله ان يحيى لي ثوري فذرفت عيناه ثم دعا الله ان يحيى لها ثورها ، وأعطاها عصا ، فقال : اذهبي إلى ثورك ، فاقرعيه بهذه العصا وقولي له : احى بإذن الله فقالت : يا جرجيس مات ثوري منذ أيام ، وتفرقته السباع ، وبيني وبينك أيام ، فقال : لو لم تجدى منه الا سنا واحده ثم قرعتها بالعصا لقام بإذن الله فانطلقت حتى أتت مصرع ثورها ، فكان أول شيء بدا لها من ثورها أحد روقيه وشعر ذنبه ، فجمعت أحدهما إلى الآخر ، ثم قرعتهما بالعصا التي أعطاها ، وقالت كما امرها ، فعاش ثورها ، وعملت عليه حتى جاءهم الخبر بذلك . فلما قال الساحر للملك ما قال ، قال رجل من أصحاب الملك - وكان أعظمهم بعد الملك : اسمعوا منى أيها القوم أحدثكم ، قالوا : نعم ، فتكلم ، قال : انكم قد وضعتم امر هذا الرجل على السحر ، وزعمتم انه سحر أيديكم عنه وأعينكم فأراكم انكم تعذبونه ، ولم يصل اليه عذابكم ! وأراكم انكم