محمد بن جرير الطبري
26
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
فصار إنسيا ملكيا ، سمائيا ارضيا ، يطير مع الملائكة وحدثني : اين تجعل مجليطيس ، وما نال بولايتك : فإنه عظيم قومك ، من المسيح بن مريم وما نال بولاية الله ! فان الله فضله على رجال العالمين ، وجعله وأمه آية للمعتبرين . ثم ذكر من امر المسيح ما كان الله خصه به من الكرامة وقال أيضا : وحدثني : اين تجعل أم هذا الروح الطيب التي اختارها الله لكلمته ، وطهر جوفها لروحه ، وسودها على إمائه ؟ فأين تجعلها وما نالت بولاية الله ، من ازبيل وما نالت بولايتك ؟ فإنها إذ كانت من شيعتك وملتك أسلمها الله عند عظيم ملكها إلى نفسها ، حتى اقتحمت عليها الكلاب في بيتها ، فانتهشت لحمها وولغت دمها ، وجرت الثعالب والضباع اوصالها ! فأين تجعلها وما نالت بولايتك من مريم ابنه عمران وما نالت بولاية الله ! فقال له الملك : انك لتحدثنا عن أشياء ليس لنا بها علم ، فاتنى بالرجلين اللذين ذكرت أمرهما ، حتى انظر إليهما ، واعتبر بهما ، فانى انكر ان يكون هذا في البشر . فقال له جرجيس : انما جاءك الانكار من قبل الغرة بالله ، واما الرجلان فلن تراهما ولن يرياك ، الا ان تعمل بعملهما ، فتنزل منازلهما . فقال له الملك : اما نحن فقد أعذرنا إليك ، وقد تبين لنا كذبك ، لأنك فخرت بأمور عجزت عنها ، ولم تأت بتصديقها ثم خير الملك جرجيس بين العذاب وبين السجود لأفلُّون ، فيثيبه ! فقال له جرجيس : ان كان افلون هو الذي رفع السماء - وعدد عليه أشياء من قدره الله - فقد أصبت ونصحت لي ، والا فاخسا أيها النجس الملعون ! فلما سمعه الملك يسبه ويسب آلهته غضب من قوله غضبا شديدا ، وامر بخشبه فنصبت له للعذاب ، وجعلت عليه امشاط الحديد ، فخدش بها