محمد بن جرير الطبري
225
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
عن أولئك الدعار المنافقين المستوجبين للقتل ، والأمر بهدم محبسهم ، ومتى تخل عنهم تأثم بالله ربك ، وتسيء إلى نفسك ، وتخل بدينك وما فيه من الوصايا والسنن التي فيها صرف الرحمة والعفو عن المستوجبين للقتل ، مع أن أعداء الملوك لا يحبون الملك ابدا ، والعاصين لهم لا يمنحونهم الطاعة وقد وعظ الحكماء وقالوا : لا تؤخرن معاقبه المستوجبى العقوبة ، فان في تأخيرها مدفعه للعدل ، ومضره على المملكة في حال التدبير ، ولئن نالك بعض السرور ان أنت خليت عن أولئك الدعار المنافقين العصاة المستوجبين للقتل لتجدن غب ذلك في تدبيرك ، ودخول أعظم المضرة والبليه على أهل الملة . واما قولك : انا انما كسبنا وجمعنا وادخرنا الأموال والأمتعة والبزور وغيرها من بلاد مملكتنا باعنف اجتباء ، وأشد الحاح على رعيتنا ، وأشد ظلم ، لا من بلاد العدو بالمجاهدة لهم والقهر ، عن غلبه منا إياهم على ما في أيديهم ، فمن جوابنا فيه ان من اصابه الجواب في كل كلام يتكلم بجهل وعنجهيه ترك الجواب فيه ، ولكن لم ندع - إذ صار ترك الجواب كالاقرار ، وطافت حجتنا فيما غشينا ان نحتج به ، قوية ، وعذرنا واضحا - شرح ما سألتنا عنه من ذلك . اعلم أيها الجاهل ، انه انما يقيم ملك الملوك بعد الله الأموال والجنود وبخاصة ملك فارس ، الذي قد اكتنفت بلاده أعداء فاغره أفواههم لالتقام ما في يديه ، وليس يقدر على كفهم عنها ، وردعهم عما يريدون من اختلاس ما يرومون اختلاسه منه ، الا بالجنود الكثيفة ، والأسلحة والعدد الكثيرة ، ولا سبيل له إلى الكثيف من الجنود والكثير مما يحتاج اليه الا بكثرة الأموال ووفورها ، ولا يستكثر من الأموال ولا يقدر على جمعها لحاجه ان عرضت له إليها الا بالجد والتشمير في اجتباء هذا الخراج وما نحن ابتدعنا جمع الأموال ، بل اقتدينا في ذلك بآبائنا والماضين من أسلافنا ، فإنهم جمعوها كجمعنا إياها ،