محمد بن جرير الطبري
220
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
من الجنود ، وتفريقك بينهم وبين أهاليهم ومنها غدرك بموريق ، ملك الروم ، وكفرك انعامه عليك فيما كان من ايوائه إياك ، وحسن بلائه عندك ، ودفعه عنك شر عدوك ، وتنويهه باسمك في تزويجه إياك أكرم النساء من بناته عليه ، وآثرهن عنده ، واستخفافك بحقه ، وتركك اطلابه ما طلب إليك من رد خشبة الصليب ، التي لم يكن بك ولا باهل بلادك إليها حاجه ، علمته . فان كانت لك حجج تدلى بها عندنا وعند الرعية فادل بها ، وان لم تكن لك حجه ، فتب إلى الله من قريب ، وأنب اليه حتى نأمر فيك بأمرنا . فوعى اسفاذ جشنس رساله كسرى شيرويه هذه ، وتوجه من عنده إلى كسرى ليبلغه إياها ، فلما توجه إلى الموضع الذي كان حبس فيه كسرى الفي رجلا يقال له جيلنوس كان قائد الجند قد وكل بحراسة كسرى جالسا ، فتحاورا ساعة ، ثم سال اسفاذ جشنس جلينوس ان يستأذن له على كسرى ليلقاه برسالة من شيرويه ، فرجع جلينوس فرفع الستر الذي كان دون كسرى ، فدخل عليه ، وقال له : عمرك الله ! ان اسفاذ جشنس بالباب ، وذكر ان الملك شيرويه ارسله إليك في رساله ، وهو يستأذن عليك ، فرأيك في الأمر فيه برأيك ! فتبسم كسرى وقال مازحا : يا جلينوس اسفاذ ان ، كلامك مخالف كلام أهل العقل ، وذلك أنه ان كانت الرسالة التي ذكرت من شيرويه الملك فليس لنا مع ملكه اذن ، وان كان لنا اذن وحجب فليس شيرويه بملك ، ولكن المثل في ذلك كما قيل : يشاء الله الشيء فيكون ، ويأمر الملك بأمر فينفذ فاذن لاسفاذ جشنس يبلغ الرسالة التي حملها فلما سمع جلينوس هذه المقالة خرج من عند كسرى ، وأخذ بيد اسفاذ جشنس ، وقال له : قم فادخل إلى كسرى راشدا . فنهض اسفاذ جشنس ، ودعا بعض من كان معه من خدمه ، ودفع اليه