محمد بن جرير الطبري

189

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

يمضى لساحر سحره ، ولا لكاهن كهانته ، ولا يستقيم لمنجم علم نجومه . وبات السائب في ليله ظلماء على ربوه من الأرض يرمق برقا نشا من قبل الحجاز ، ثم استطار حتى بلغ المشرق ، فلما أصبح ذهب ينظر إلى ما تحت قدميه ، فإذا روضه خضراء ، فقال فيما يعتاف : لئن صدق ما أرى ، ليخرجن من الحجاز سلطان يبلغ المشرق ، تخصب عنه الأرض كأفضل ما أخصبت عن ملك كان قبله . فلما خلص الكهان والمنجمون بعضهم إلى بعض ، ورأوا ما قد أصابهم ، ورأى السائب ما رأى ، قال بعضهم لبعض : تعلمون والله ما حيل بينكم وبين علمكم الا لامر جاء من السماء ، وانه لنبي قد بعث - أو هو مبعوث - يسلب هذا الملك ويكسره ولئن نعيتم لكسرى ملكه ليقتلنكم ، فأقيموا بينكم امرا تقولونه له تؤخرونه عنكم إلى امر ما ساعة . فجاءوا كسرى ، فقالوا له : انا قد نظرنا في هذا الأمر فوجدنا حسابك الذين وضعت على حسابهم طاق ملكك ، وسكرت دجلة العوراء وضعوه على النحوس ، فلما اختلف عليهما الليل والنهار وقعت النحوس على مواقعها ، فزال كل ما وضع عليهما ، وانا سنحسب لك حسابا تضع عليه بنيانك فلا يزول قال : فاحسبوا ، فحسبوا له ، ثم قالوا له : ابنه ، فبنى فعمل في دجلة ثمانية اشهر وانفق فيها من الأموال ما لا يدرى ما هو ، حتى إذا فرغ منها قال لهم : اجلس على سورها ؟ قالوا : نعم ، فامر بالبسط والفرش والرياحين فوضعت عليها ، وامر بالمرازبه فجمعوا له ، واجتمع اليه اللعابون ، ثم خرج حتى جلس عليها ، فبينا هو هنالك انتسفت دجلة البنيان من تحته ، فلم يستخرج الا باخر رمق