محمد بن جرير الطبري

182

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

واما القائد الآخر - وكان يقال له شاهين ، وكان فاذوسبان المغرب - فإنه سار حتى احتوى على مصر والإسكندرية وبلاد نوبه ، وبعث إلى كسرى بمفاتيح مدينه اسكندريه في سنه ثمان وعشرين من ملكه واما القائد الثالث فكان يقال له فرهان ، وتدعى مرتبته شهربراز وانه قصد القسطنطينية حتى أناخ على ضفة الخليج القريب منها ، وخيم هنالك ، فأمره كسرى فخرب بلاد الروم غضبا مما انتهكوا من موريق ، وانتقاما له منهم ، ولم يخضع لابن موريق من الروم أحد ولم يمنحه الطاعة ، غير أنهم قتلوا قوفا الملك الذي كانوا ملكوه عليهم لما ظهر لهم من فجوره وجراته على الله وسوء تدبيره ، وملكوا عليهم رجلا يقال له هرقل . فلما رأى هرقل عظيم ما فيه بلاد الروم من تخريب جنود فارس إياها وقتلها مقاتلتهم وسبيهم ذراريهم واستباحتهم أموالهم وانتهاكهم ما بحضرتهم ، بكى إلى الله وتضرع اليه وسأله ان ينقذه وأهل مملكته من جنود فارس ، فرأى في منامه رجلا ضخم الجثة رفيع المجلس ، عليه بزه ، قائما في ناحية عنه ، فدخل عليهما داخل ، فالقى ذلك الرجل عن مجلسه ، وقال لهرقل : انى قد اسلمته في يدك فلم يقصص رؤياه تلك في يقظته على أحد ، ورأى الليلة الثانية في منامه ان الرجل الذي رآه في حلمه جالس في مجلس رفيع ، وان الرجل الداخل عليهما أتاه وبيده سلسله طويله ، فألقاها في عنق صاحب المجلس وأمكنه منه ، وقال له : هانذا قد دفعت إليك كسرى برمته ، فاغزه فان الظفر لك ، وانك مدال عليه ونائل أمنيتك في غزاتك فلما تتابعت عليه هذه الأحلام ، قصها على عظماء الروم وذوى الرأي منهم . فأخبروه انه مدال عليه ، وأشاروا عليه ان يغزوه ، فاستعد هرقل واستخلف ابنا له على مدينه قسطنطينيه ، وأخذ غير الطريق الذي فيه شهربراز ، وسار حتى أوغل في بلاد أرمينية ، ونزل نصيبين بعد سنه ، وكان