محمد بن جرير الطبري

163

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

أمي - وهي ظئرى - قالت : يا بنى الا أراك حيا بعد ! فجاءت حتى انكبت على وضمتني إلى صدرها ، فو الذي نفسي بيده ، انى لفي حجرها وقد ضمتني إليها ، وان يدي في يد بعضهم ، فجعلت التفت إليهم وظننت ان القوم يبصرونهم ، فإذا هم لا يبصرونهم ، يقول بعض القوم : ان هذا الغلام قد اصابه لمم أو طائف من الجن ، فانطلقوا به إلى كاهننا حتى ينظر اليه ويداويه فقلت : يا هذا ، ما بي شيء مما تذكر ، ان آرائى سليمه وفؤادي صحيح ، ليس بي قلبه فقال أبى - وهو زوج ظئرى - الا ترون كلامه كلام صحيح ! انى لأرجو الا يكون بابني باس ، فاتفقوا على أن يذهبوا بي إلى الكاهن ، فاحتملوني حتى ذهبوا بي اليه ، فلما قصوا عليه قصتي قال : اسكتوا حتى اسمع من الغلام ، فإنه اعلم بأمره منكم ، فسألني ، فاقتصصت عليه امرى ما بين أوله وآخره ، فلما سمع قولي وثب إلى فضمني إلى صدره ثم نادى بأعلى صوته : يا للعرب ، يا للعرب ! اقتلوا هذا الغلام واقتلوني معه ، فو اللات والعزى لئن تركتموه وأدرك ، ليبدلن دينكم وليسفهن عقولكم وعقول آبائكم ، وليخالفن امركم ، وليأتينكم بدين لم تسمعوا بمثله قط ! فعمدت ظئرى فانتزعتني من حجره وقالت : لانت اعته واجن من ابني هذا ! فلو علمت أن هذا يكون من قولك ما اتيتك به ، فاطلب لنفسك من يقتلك ، فانا غير قاتلي هذا الغلام ثم احتملونى فادونى إلى أهلي فأصبحت مفزعا مما فعل بي ، وأصبح اثر الشق ما بين صدري إلى منتهى عانتي كأنه الشراك ، فذلك حقيقة قولي وبدء شأني يا أخا بنى عامر . فقال العامري : اشهد بالله الذي لا اله غيره ان امرك حق ، فأنبئني