محمد بن جرير الطبري

159

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

ما عسى ان تصنع أمه وجده ! فكنا نكرهه لذلك ، فما بقيت امراه قدمت معي الا أخذت رضيعا ، غيرى فلما اجمعنا الانطلاق قلت لصاحبي : انى لأكره ان ارجع من بين صواحباتى ولم آخذ رضيعا ، والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه ، قال : لا عليك ان تفعلي ، فعسى الله ان يجعل لنا فيه بركه ! قالت : فذهبت اليه فأخذته وما حملني على ذلك الا انى لم أجد غيره قالت : فلما أخذته رجعت به إلى رحلي ، فلما وضعته في حجري اقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن ، فشرب حتى روى ، وشرب معه اخوه حتى روى ، ثم ناما - وما كان ينام قبل ذلك - وقام زوجي إلى شارفنا تلك ، فنظر إليها فإذا انها لحافل ، فحلب منها حتى شرب وشربت ، حتى انتهينا ريا وشبعا ، فبتنا بخير ليله قالت : يقول لي صاحبي حين أصبحت : ا تعلمين والله يا حليمة ، لقد أخذت نسمه مباركه ، قلت : والله انى لأرجو ذلك قالت : ثم خرجنا وركبت أتاني تلك ، وحملته عليها معي ، فوالله لقطعت بنا الركب ما يقدم عليها شيء من حمرهم ، حتى أن صواحبي ليقلن لي : يا ابنة أبى ذؤيب ، اربعى علينا . ا ليس هذه أتانك التي كنت خرجت عليها ؟ فأقول لهن : بلى والله ، انها لهى هي ، فيقلن : والله ان لها لشأنا قالت : ثم قدمنا منازلنا من بلاد بنى سعد ، وما اعلم أرضا من ارض الله أجدب منها ، فكانت غنمي تروح على حين قدمنا به معنا شباعا لبنا ، فنحلب ونشرب ، وما يحلب انسان قطره ولا يجدها في ضرع ، حتى أن كان الحاضر من قومنا يقولون لرعيانهم : ويلكم ، اسرحوا حيث يسرح راعى ابنه أبى ذؤيب ! فتروح أغنامهم جياعا ما تبض بقطره لبن ، وتروح غنمي شباعا لبنا فلم نزل نتعرف من الله زيادة الخير به ، حتى مضت سنتان وفصلته وكان يشب شبابا لا يشبه الغلمان ، فلم يبلغ سنتيه حتى كان غلاما جفرا ، فقدمنا به على أمه ونحن احرص شيء على مكثه فينا ، لما كنا نرى من بركته ، فكلمنا أمه وقلنا لها : يا ظئر ، لو تركت بنى عندي حتى يغلظ ، فانى أخشى عليه وباء مكة ! قالت :