محمد بن جرير الطبري

146

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

ذلك إليهم ، واما ما ألقيت من زادكم في البحر ، فانى كرهت ان يطمع أحد منكم ان يكون معه زاد يعيش به يوما واحدا ، فان كنتم قوما تقاتلون معي وتصبرون اعلمتمونى ذلك ، وان كنتم لا تفعلون اعتمدت على سيفي هذا حتى يخرج من ظهري ، فانى لم أكن لأمكنهم من نفسي ابدا فانظروا ما تكون حالكم ، إذا كنت رئيسكم وفعلت هذا بنفسي ! فقالوا : لا بل نقاتل معك حتى نموت عن آخرنا ، أو نظفر . فلما كان صبح اليوم الذي انقضى فيه الأجل عبى أصحابه ، وجعل البحر خلفه ، واقبل عليهم يحضهم على الصبر ، ويعلمهم انهم منه بين خلتين ، اما ظفروا بعدوهم ، واما ماتوا كراما ، وامرهم أن تكون قسيهم موتره ، وقال : إذا أمرتكم ان ترموا فارموهم رشقا بالبنجكان - ولم يكن أهل اليمن رأوا النشاب قبل ذلك - واقبل مسروق في جمع لا يرى طرفاه على فيل على رأسه تاج ، بين عينيه ياقوته حمراء مثل البيضة ، لا يرى أن دون الظفر شيئا . وكان وهرز قد كل بصره فقال : أروني عظيمهم ، فقالوا : هو صاحب الفيل ، ثم لم يلبث مسروق ان نزل فركب فرسا ، فقالوا : قد ركب فرسا ، فقال : ارفعوا لي حاجبي ، وقد كانا سقطا على عينيه من الكبر ، فرفعوهما بعصابة ، ثم اخرج نشابه ، فوضعها في كبد قوسه ، وقال : أشيروا لي إلى مسروق ، فأشاروا له اليه حتى اثبته ، ثم قال لهم : ارموا ، فرموا ، ونزع في قوسه حتى إذا ملاها سرح النشابة ، فأقبلت كأنها رشاء ، حتى صكت جبهه مسروق ، فسقط عن دابته ، وقتل في ذلك الرشق منهم جماعه كثيره ، وانفض صفهم لما رأوا صاحبهم صريعا ، فلم يكن دون الهزيمة شيء ، وامر وهرز بجثه ابنه من ساعته فووريت ، وامر بجثه مسروق ، فألقيت مكانها ، وغنم من عسكرهم ما لا يحصى ولا يعد كثره ، وجعل الأسوار يأخذ من الحبشة ومن حمير والاعراب الخمسين والستين فيسوقهم مكتفين ، لا يمتنعون منه