محمد بن جرير الطبري

144

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

ثم إن الأشرم مات ، ومات ابنه يكسوم ، فخرج ابن ذي يزن قاصدا إلى ملك الروم ، وتجنب كسرى لابطائه عن نصر أبيه ، فلم يجد عند ملك الروم ما يحب ، ووجده يحامى عن الحبشة لموافقتهم إياه على الدين ، فانكفا راجعا إلى كسرى ، فاعترضه يوما وقد ركب ، فصاح به : أيها الملك ، ان لي عندك ميراثا فدعا به كسرى لما نزل ، وقال : من أنت ؟ وما ميراثك ؟ قال : انا ابن الشيخ اليماني ذي يزن ، الذي وعدته ان تنصره ، فمات ببابك وحضرتك ، فتلك العدة حق لي وميراث يجب عليك الخروج لي منه فرق له كسرى ، وامر له بمال فخرج الغلام ، فجعل ينثر الدراهم ، فانتهبها الناس فأرسل اليه كسرى : ما الذي حملك على ما صنعت ؟ قال : انى لم آتك للمال ، انما جئتك للرجال ، ولتمنعنى من الذل فاعجب ذلك كسرى ، فبعث اليه : ان أقم حتى انظر في امرك ثم إن كسرى استشار وزراءه في توجيه الجند معه ، فقال له الموبذان : ان لهذا الغلام حقا بنزوعه وموت أبيه بباب الملك وحضرته ، وما تقدم من عدته إياه ، وفي سجون الملك رجال ذوو نجده وباس ، فلو ان الملك وجههم معه ، فان أصابوا ظفرا كان له ، وان هلكوا كان قد استراح وأراح أهل مملكته منهم ، ولم يكن ذلك ببعيد من الصواب . قال كسرى : هذا الرأي ، وامر بمن كان في السجون من هذا الضرب فاحصوا فبلغوا ثمانمائه نفر ، فقود عليهم قائدا من اساورته ، يقال له وهرز ، كان كسرى يعدله بألف أسوار ، وقواهم وجهزهم وامر بحملهم في ثمانية سفائن ، في كل سفينة مائه رجل ، فركبوا البحر ، فغرقت من الثماني السفن سفينتان ، وسلمت ست ، فخرجوا بساحل حضرموت ، وسار إليهم مسروق في مائه الف من الحبشة وحمير والاعراب ، ولحق بابن ذي يزن بشر كثير ، ونزل وهرز على سيف البحر ، وجعل البحر وراء ظهره ، فلما نظر مسروق إلى قلتهم طمع فيهم ، فأرسل إلى وهرز : ما جاء بك ، وليس معك الا من