محمد بن جرير الطبري

129

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

وكان في جنده حتى تفرقت الحبشة عليهما ، فانحاز إلى كل واحد منهما طائفه منهم ، ثم سار أحدهما إلى الآخر ، فلما تقارب الناس ، ودنا بعضهم من بعض ارسل أبرهة إلى ارياط : انك لن تصنع بان تلقى الحبشة بعضها ببعض حتى تفنيها شيئا ، فابرز لي وابرز لك ، فأينا ما أصاب صاحبه انصرف اليه جنده . فأرسل اليه ارياط : ان قد أنصفتني فأخرج فخرج اليه أبرهة ، وكان رجلا قصيرا لحيما حادرا ، وكان ذا دين في النصرانية ، وخرج اليه ارياط وكان رجلا عظيما طويلا وسيما وفي يده حربه وخلف أبرهة ربوه تمنع ظهره وفيها غلام له يقال له عتوده ، فلما دنا أحدهما من صاحبه رفع ارياط الحربه فضرب بها على راس أبرهة - يريد يافوخه - فوقعت الحربه على جبهه أبرهة ، فشرمت حاجبه وعينه وانفه وشفته ، فبذلك سمى أبرهة الأشرم وحمل غلام أبرهة عتوده على ارياط من خلف أبرهة فقتله ، وانصرف جند ارياط إلى أبرهة ، فاجتمعت عليه الحبشة باليمن ، فقال عتوده في قتله ارياط : انا عتوده ، من فرقه أرده ، لا أب ولا أم نجده ، اى يقول : قتلك عبده ، قال : فقال الأشرم عند ذلك لعتوده : حكمك يا عتوده وان كنت قتلته ، ولا ينبغي لنا ذلك الا ديته ، فقال عتوده : حكمي الا تدخل عروس من أهل اليمن على زوجها منهم حتى أصيبها قبله فقال : ذلك لك ، ثم اخرج دية ارياط ، وكان كل ما صنع أبرهة بغير علم النجاشي ملك الحبشة ، فلما بلغه ذلك غضب غضبا شديدا ، وقال : عدا على أميري ، فقتله بغير امرى ثم حلف الا يدع أبرهة حتى يطأ بلاده ، ويجز ناصيته ، فلما بلغ ذلك أبرهة حلق رأسه ، ثم ملا جرابا من تراب اليمن ، ثم بعث به إلى النجاشي ، وكتب اليه : أيها الملك ، انما كان ارياط عبدك ، وانا عبدك ، فاختلفنا في امرك ، وكل طاعته لك ، الا انى كنت أقوى منه على امر الحبشة ، واضبط لها