محمد بن جرير الطبري

101

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

بلادهم الا ما كان كسرى غلب عليه منها ، وانه استمال ابخز ، وبنجر ، وبلنجر ، فمنحوه طاعتهم واعلموه ان ملوك فارس لم يزالوا يتقونهم بفداء يكفونهم به عن غزو بلادهم ، وانه اقبل في مائه الف وعشره آلاف مقاتل حتى شارف ما والى بلاد صول ، وارسل إلى كسرى في توعد منه إياه واستطاله عليه ، ان يبعث اليه بأموال ، وإلى ابخز وبنجر وبلنجر بالفداء الذي كانوا يعطونه إياه قبل ملك كسرى ، وانه ان لم يعجل بالبعثة اليه بما سال وطيء بلاده وناجزه فلم يحفل كسرى بوعيده ، ولم يجبه إلى شيء مما سأله لتحصينه كان ناحية باب صول ، ومناعه السبل والفجاج التي كان سنجبوا خاقان سالكها إياه ، ولمعرفته كانت بمقدرته على ضبط ثغر أرمينية بخمسه آلاف مقاتل من الفرسان والرجاله . فبلغ سنجبوا خاقان تحصين كسرى ثغر صول ، فانصرف بمن كان معه إلى بلاده خائبا ، ولم يقدر من كان بإزاء جرجان من العدو - للحصون التي كان امر كسرى فبنيت حواليها - ان يشنوها بغاره ، ويغلبوا عليها ، وكان كسرى أنوشروان قد عرف الناس منه فضلا في رايه وعلمه وعقله ، وبأسه وحزمه ، مع رأفته ورحمته بهم ، فلما عقد التاج على رأسه دخل اليه العظماء والاشراف فاجتهدوا في الدعاء له ، فلما قضوا مقالتهم ، قام خطيبا ، فبدا بذكر نعم الله على خلقه عند خلقه إياهم ، وتوكله بتدبير أمورهم ، وتقدير الأقوات والمعايش لهم ، ولم يدع شيئا الا ذكره في خطبته ، ثم اعلم الناس ما ابتلوا به من ضياع أمورهم ، وإمحاء دينهم ، وفساد حالهم في أولادهم ومعاشهم ، واعلمهم انه ناظر فيما يصلح ذلك ويحسمه ، وحث الناس على معاونته . ثم امر برءوس المزدكية فضربت أعناقهم ، وقسمت أموالهم في أهل الحاجة ، وقتل جماعه كثيره ممن كان دخل على الناس في أموالهم ، ورد الأموال إلى أهلها ، وامر بكل مولود اختلف فيه عنده ان يلحق بمن هو منهم ، إذا لم