محمد بن جرير الطبري

624

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

فلما عرفت انها قد استرسلت اليه ، ووثقت به ، قال لها : ان لي بالعراق أموالا كثيره ، وبها طرائف وثياب وعطر ، فابعثينى إلى العراق لأحمل مالي واحمل إليك من بزوزها وطرائف ثيابها ، وصنوف ما يكون بها من الأمتعة والطيب والتجارات ، فتصيبين في ذلك أرباحا عظاما ، وبعض ما لا غنى بالملوك عنه ، فإنه لا طرائف كطرائف العراق ! فلم يزل يزين لها ذلك حتى سرحته ، ودفعت معه عيرا ، فقالت : انطلق إلى العراق ، فبع بها ما جهزناك به ، وابتع لنا من طرائف ما يكون بها من الثياب وغيرها فسار قصير بما دفعت اليه حتى قدم العراق ، واتى الحيرة متنكرا ، فدخل على عمرو بن عدي ، فأخبره بالخبر ، وقال : جهزني بالبز والطرف والأمتعة ، لعل الله يمكن من الزباء فتصيب ثارك ، تقتل عدوك فأعطاه حاجته ، وجهزه بصنوف الثياب وغيرها ، فرجع بذلك كله إلى الزباء ، فعرضه عليها ، فأعجبها ما رأت ، وسرها ما أتاها به ، وازدادت به ثقة ، واليه طمأنينة ، ثم جهزته بعد ذلك بأكثر مما جهزته في المرة الأولى ، فسار حتى قدم العراق ، ولقى عمرو بن عدي ، وحمل من عنده ما ظن أنه موافق للزباء ، ولم يترك جهدا ، ولم يدع طرفه ولا متاعا قدر عليه الا حمله إليها ثم عاد الثالثة إلى العراق فأخبر عمرا الخبر ، وقال : اجمع لي ثقات أصحابك وجندك ، وهيئ لهم الغرائر والمسوح - قال ابن الكلبي : وقصير أول من عمل الغرائر - واحمل كل رجلين على بعير في غرارتين ، واجعل معقد رؤوس الغرائر من باطنها ، فإذا دخلوا مدينه الزباء أقمتك على باب نفقها ، وخرجت الرجال من الغرائر ، فصاحوا باهل المدينة فمن قاتلهم قتلوه ، وان أقبلت الزباء تريد النفق جللتها بالسيف . ففعل عمرو بن عدي ، وحمل الرجال في الغرائر على ما وصف له قصير ، ثم وجه الإبل إلى الزباء عليها الرجال وأسلحتهم ، فلما كانوا قريبا من مدينتها ، تقدم قصير إليها ، فبشرها واعلمها كثره ما حمل إليها من الثياب والطرائف ، وسألها ان تخرج فتنظر إلى قطرات تلك الإبل ، وما عليها من الأحمال ، فانى