محمد بن جرير الطبري
616
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
فكانوا إذا أصابوا كماه جيده أكلوها ، وإذا أصابها عمرو خبأها في حجزته فانصرفوا إلى جذيمة يتعادون ، وعمرو يقول : هذا جناي وخياره فيه * إذ كل جان يده إلى فيه فضمه اليه جذيمة والتزمه ، وسر بقوله وفعله ، وامر فجعل له حلى من فضه وطوق ، فكان أول عربي البس طوقا ، فكان يسمى عمرا ذا الطوق ، فبينما هو على أحسن حاله ، إذ استطارته الجن فاستهوته ، فضرب له جذيمة في البلدان والآفاق زمانا لا يقدر عليه قال : واقبل رجلان اخوان من بلقين - يقال لهما : مالك وعقيل ، ابنا فارج بن مالك بن كعب بن القين بن جسر ابن شيع الله بن أسد بن وبره بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة - من الشام يريدان جذيمة ، قد اهديا له طرفا ومتاعا ، فلما كانا ببعض الطريق نزلا منزلا ، ومعهما قينة لهما يقال لها : أم عمرو ، فقدمت إليهما طعاما ، فبينما هما يأكلان إذ اقبل فتى عريان شاحب ، قد تلبد شعره ، وطالت أظفاره ، وساءت حاله ، فجاء حتى جلس حجره منهما ، فمد يده يريد الطعام ، فناولته القينة كراعا ، فأكلها ثم مد يده إليها ، فقالت : تعطى العبد كراعا فيطمع في الذراع ، فذهبت مثلا ، ثم ناولت الرجلين من شراب كان معها ، واوكت زقها ، فقال عمرو بن عدي : صددت الكاس عنا أم عمرو * وكان الكاس مجراها اليمينا وما شر الثلاثة أم عمرو * بصاحبك الذي لا تصحبينا ! فقال مالك وعقيل : من أنت يا فتى ؟ فقال : ان تنكرانى أو تنكرا نسبي ، فانى انا عمرو بن عدي ، ابن تنوخيه ، اللخمي ، وغدا ما تريانى في نماره غير معصى