محمد بن جرير الطبري
598
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
المقعد والأعمى : صدق ، فردا على الدهقان ماله ذلك ، فوضعه الدهقان في خزانته ، وقال : يا مريم خذي نصفه ، قالت : انى لم اخلق لذلك ، قال الدهقان : فأعطيه ابنك ، قالت : هو أعظم منى شأنا ، ثم لم يلبث الدهقان ان اعرس ابن له فصنع له عيدا فجمع عليه أهل مصر كلهم ، فلما انقضى ذلك زاره قوم من أهل الشام لم يحذرهم الدهقان ، حتى نزلوا به ، وليس عنده يومئذ شراب ، فلما رأى عيسى اهتمامه بذلك دخل بيتا من بيوت الدهقان ، فيه صفان من جرار ، فامر عيسى يده على أفواهها ، وهو يمشى ، فكلما امر يده على جره امتلأت شرابا ، حتى اتى عيسى على آخرها ، وهو يومئذ ابن اثنتي عشره سنه ، فلما فعل ذلك عيسى فزع الناس لشانه وما أعطاه الله من ذلك ، فأوحى الله عز وجل إلى أمه مريم ، ان اطلعى به إلى الشام ، ففعلت الذي أمرت به ، فلم تزل بالشام حتى كان ابن ثلاثين سنه ، فجاءه الوحي على ثلاثين سنه ، وكانت نبوته ثلاث سنين ثم رفعه الله اليه ، فلما رآه إبليس يوم لقيه على العقبة لم يطلق منه شيئا ، فتمثل له برجل ذي سن وهيئة ، وخرج معه شيطانان ماردان متمثلين كما تمثل إبليس ، حتى خالطوا جماعه الناس . وزعم وهب أنه ربما اجتمع على عيسى من المرضى في الجماعة الواحدة خمسون ألفا ، فمن أطاق منهم ان يبلغه بلغه ، ومن لم يطق ذلك منهم أتاه عيسى ع يمشى اليه ، وانما كان يداويهم بالدعاء إلى الله عز وجل ، فجاءه إبليس في هيئة يبهر الناس حسنها وجمالها ، فلما رآه الناس فرغوا له ، ومالوا نحوه ، فجعل يخبرهم بالأعاجيب ، فكان في قوله : ان شان هذا الرجل لعجب ، تكلم في المهد ، وأحيا الموتى ، وأنبأ عن الغيب ، وشفى المريض ، فهذا الله قال أحد صاحبيه : جهلت أيها الشيخ ، وبئس ما قلت ! لا ينبغي لله ان يتجلى للعباد ، ولا يسكن الارحام ، ولا تسعه أجواف النساء ، ولكنه ابن الله وقال الثالث : بئس ما قلتما ، كلا كما قد أخطأ وجهل ، ليس ينبغي لله ان يتخذ ولدا ، ولكنه اله معه ، ثم غابوا حين فرغوا