محمد بن جرير الطبري
593
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
الله لهم الكره عليهم ، ثم كانت الوقعة الأخيرة خردوس وجنوده ، وهي كانت أعظم الوقعتين ، فيها كان خراب بلادهم وقتل رجالهم وسبى ذراريهم ونسائهم ، يقول الله عز وجل : « وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً » . رجع الحديث إلى حديث عيسى بن مريم وأمه عليهما السلام . قال : وكانت مريم ويوسف بن يعقوب ابن عمها يليان خدمه الكنيسة ، فكانت مريم إذا نفد ماؤها - فيما ذكر - وماء يوسف أخذ كل واحد منهما قلته ، فانطلق إلى المغارة التي فيها الماء الذي يستعذبانه ، فيملأ قلته ، ثم يرجعان إلى الكنيسة فلما كان اليوم الذي لقيها فيه جبرئيل - وكان أطول يوم في السنة وأشده حرا - نفد ماؤها ، فقالت : يا يوسف ، الا تذهب بنا نستقى ! قال : ان عندي لفضلا من ماء اكتفى به يومى هذا إلى غد ، قالت : لكني والله ما عندي ماء ، فأخذت قلتها ، ثم انطلقت وحدها ، حتى دخلت المغارة ، فتجد عندها جبرئيل ، قد مثله الله لها بشرا سويا : فقال لها : يا مريم ، ان الله قد بعثني إليك لأهب لك غلاما زكيا ، قالت : « إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا » ، وهي تحسبه رجلا من بني آدم فقال : انما انا رسول ربك ، قالت : « أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا » ، اى ان الله قد قضى ان ذلك كائن فلما قال ذلك استسلمت لقضاء الله ، فنفخ في جيبها ، ثم انصرف عنها ، وملأت قلتها . قال : فحدثني محمد بن سهل بن عسكر البخاري ، قال حدثنا إسماعيل ابن عبد الكريم ، قال : حدثني عبد الصمد بن معقل ، ابن أخي وهب ،