محمد بن جرير الطبري

591

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

ابن سليمان بن داود . قال : فلما رفع الله عيسى ع من بين أظهرهم ، وقتلوا يحيى بن زكرياء ع - وبعض الناس يقول : وقتلوا زكرياء - ابتعث الله عليهم ملكا من ملوك بابل يقال له خردوس ، فسار إليهم باهل بابل ، حتى دخل عليهم الشام ، فلما ظهر عليهم امر رأسا من رؤوس جنوده يدعى نبوزراذان ، صاحب القتل ، فقال له : انى كنت حلفت بالله : لئن انا ظهرت على أهل بيت المقدس لأقتلنهم حتى تسيل دماؤهم في وسط عسكرى ، إلى الا أجد أحدا اقتله ، فأمره ان يقتلهم ، حتى يبلغ ذلك منهم وان نبوزراذان دخل بيت المقدس ، فقام في البقعة التي كانوا يقربون فيها قربانهم ، فوجد فيها دما يغلى ، وسألهم ، فقال : يا بني إسرائيل ، ما شان هذا الدم يغلى ؟ أخبروني خبره ولا تكتمونى شيئا من امره ، فقالوا : هذا دم قربان كان لنا كنا قربناه فلم يقبل منا ، فلذلك هو يغلى كما تراه ، ولقد قربنا منذ ثمانمائه سنه القربان ، فيقبل منا الا هذا القربان قال : ما صدقتموني الخبر ، قالوا له : لو كان كأول زماننا لقبل منا ، ولكنه قد انقطع منا الملك والنبوة والوحي ، فلذلك لم يقبل منا فذبح منهم نبوزراذان على ذلك الدم سبعمائة وسبعين روحا من رؤوسهم فلم يهدأ ، فامر فاتى بسبعمائة غلام من غلمانهم ، فذبحوا على الدم فلم يهدأ ، فامر بسبعه آلاف من بنيهم وأزواجهم فذبحهم على الدم فلم يبرد ، فلما رأى نبوزراذان الدم لا يهدأ قال لهم : يا بني إسرائيل ، ويلكم ! اصدقونى واصبروا على امر ربكم ، فقد طالما ملكتم في الأرض تفعلون فيها ما شئتم ، قبل الا اترك منكم نافخ نار ، أنثى ولا ذكرا الا قتلته ! فلما رأوا الجهد وشده القتل صدقوه الخبر فقالوا : ان هذا دم نبي منا كان ينهانا عن أمور كثيره من سخط الله ، فلو أطعناه فيها لكان ارشد لنا ، وكان يخبرنا بأمركم فلم نصدقه فقتلناه ، فهذا دمه فقال لهم نبوزراذان : ما كان اسمه ؟ قالوا : يحيى بن زكرياء ، قال : الان صدقتموني ، لمثل هذا ينتقم ربكم منكم فلما رأى نبوزراذان انهم قد صدقوه خر ساجدا ، وقال لمن حوله : أغلقوا أبواب المدينة ، واخرجوا من كان هاهنا من جيش خردوس