محمد بن جرير الطبري

588

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

وهو في ذلك يغلى ، وبلغ صيحائين فنادى في الناس ، وأراد ان يبعث إليهم جيشا ، ويؤمر عليهم رجلا ، فأتاه بختنصر ، فكلمه ، وقال : ان الذي كنت أرسلت تلك المرة ضعيف ، فانى قد دخلت المدينة ، وسمعت كلام أهلها ، فابعثنى ، فبعثه فسار بختنصر ، حتى إذا بلغوا ذلك المكان تحصنوا منه في مدائنهم ، فلم يطقهم ، فلما اشتد عليه المقام ، وجاع أصحابه أراد الرجوع ، فخرجت اليه عجوز من عجائز بني إسرائيل ، فقالت : اين أمير الجند ؟ فاتى به إليها ، فقالت : انه بلغني انك تريد ان ترجع بجندك قبل ان تفتح هذه المدينة قال : نعم ، قد طال مقامي ، وجاع أصحابي ، فلست أستطيع المقام فوق الذي كان منى ، فقالت : ا رأيتك ان فتحت لك المدينة ، ا تعطيني ما أسألك ، فتقتل من أمرتك بقتله ، وتكف إذا أمرتك ان تكف ؟ قال لها : نعم ، قالت : إذا أصبحت فاقسم جندك أربعة أرباع ، ثم أقم على كل زاوية ربعا ، ثم ارفعوا بأيديكم إلى السماء ، فنادوا : انا نستفتحك يا الله بدم يحيى بن زكرياء ، فإنها سوف تتساقط ففعلوا ، فتساقطت المدينة ، ودخلوا من جوانبها ، فقالت له : كف يدك ، اقتل على هذا الدم حتى يسكن ، فانطلقت به إلى دم يحيى وهو على تراب كثير ، فقتل عليه حتى سكن ، فقتل سبعين الف رجل وامراه ، فلما سكن الدم ، قالت له : كف يدك ، فان الله عز وجل إذا قتل نبي لم يرض حتى يقتل من قتله ومن رضى قتله فأتاه صاحب الصحيفة بصحيفته ، فكف عنه وعن أهل بيته ، وخرب بيت المقدس ، وامر به ان تطرح فيه الجيف ، وقال : من طرح فيه جيفه فله جزيته تلك السنة ، واعانه على خرابه الروم من اجل ان بني إسرائيل قتلوا يحيى بن زكرياء ، فلما خربه بختنصر ذهب معه بوجوه بني إسرائيل وسراتهم ، وذهب بدانيال وعليا وعزريا وميشائيل ، هؤلاء كلهم من أولاد الأنبياء ، وذهب معه برأس الجالوت ، فلما قدم ارض بابل