محمد بن جرير الطبري

28

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

القول في الدلالة على أن الله عز وجل القديم الأول قبل شيء وانه هو المحدث كل شيء بقدرته تعالى ذكره فمن الدلالة على ذلك أنه لا شيء في العالم مشاهد الا جسم أو قائم بجسم ، وانه لا جسم الا مفترق أو مجتمع ، وانه لا مفترق منه الا وهو موهوم فيه الائتلاف إلى غيره من اشكاله ، ولا مجتمع منه الا وهو موهوم فيه الافتراق ، وانه متى عدم أحدهما عدم الآخر معه ، وانه إذا اجتمع الجزءان منه بعد الافتراق ، فمعلوم ان اجتماعهما حادث فيهما بعد ان لم يكن ، وان الافتراق إذا حدث فيهما بعد الاجتماع ، فمعلوم ان الافتراق فيهما حادث بعد ان لم يكن . وإذا كان الأمر فيما في العالم من شيء كذلك ، وكان حكم ما لم يشاهد وما هو من جنس ما شاهدنا في معنى جسم أو قائم بجسم ، وكان ما لم يخل من الحدث لا شك انه محدث بتأليف مؤلف له ان كان مجتمعا ، وتفريق مفرق له ان كان مفترقا وكان معلوما بذلك ان جامع ذلك ان كان مجتمعا ، ومفرقه ان كان مفترقا من لا يشبهه ، ومن لا يجوز عليه الاجتماع والافتراق ، وهو الواحد القادر الجامع بين المختلفات ، الذي لا يشبهه شيء ، وهو على كل شيء قدير - فبين بما وصفنا ان بارئ الأشياء ومحدثها كان قبل كل شيء ، وان الليل والنهار والزمان والساعات محدثات ، وان محدثها الذي يدبرها ويصرفها قبلها ، إذ كان من المحال ان يكون شيء يحدث شيئا الا ومحدثه قبله ، وان في قوله تعالى ذكره : « أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ » ، لابلغ الحجج ،