محمد بن جرير الطبري

562

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

فلما ورد الرسول بالكتاب على بشتاسب ، جمع اليه أهل بيته وعظماء أهل مملكته ، وفيهم جاماسف عالمهم وحاسبهم ، وزرين بن لهراسب فكتب بشتاسب إلى ملك الترك كتابا غليظا جواب كتابه ، آذنه فيه بالحرب ، واعلمه انه غير ممسك عنه ان امسك فسار بعضهما إلى بعض ، مع كل واحد منهما من المقاتلة ما لا يحصى كثره ، ومع بشتاسب يومئذ زرين اخوه ونسطور ابن زرين واسفنديار وبشوتن ابنا بشتاسب ، وآل لهراسب جميعا ، ومع خرزاسف وجوهرمز واندرمان اخواه وأهل بيته ، وبيدرفش الساحر ، فقتل في تلك الحروب زرين ، واشتد ذلك على بشتاسب ، فأحسن الغناء عنه ابنه اسفنديار ، وقتل بيدرفش مبارزه ، فصارت الدبره على الترك ، فقتلوا قتلا ذريعا ، ومضى خرزاسف هاربا ، ورجع بشتاسب إلى بلخ ، فلما مضت لتلك الحروب سنون سعى على اسفنديار رجل يقال له قرزم ، فافسد قلب بشتاسب عليه ، فندبه لحرب بعد حرب ، ثم امر بتقييده وصيره في الحصن الذي فيه حبس النساء ، وشخص بشتاسب إلى ناحية كرمان وسجستان ، وصار منها إلى جبل يقال له طميذر لدراسه دينه والنسك هناك ، وخلف لهراسب أباه مدينه بلخ شيخا قد ابطله الكبر ، وترك خزائنه وأمواله ونساءه مع خطوس امرأته ، فحملت الجواسيس الخبر إلى خزاسف ، فلما عرف جمع جنودا لا يحصون كثره ، وشخص من بلاده نحو بلخ ، وقد امل ان يجد فرصه من بشتاسب ومملكته فلما انتهى إلى تخوم ملك فارس قدم امامه جوهرمز أخاه - وكان مرشحا للملك بعده في جماعه من المقاتلة كثيره - وامره ان يغذ السير حتى يتوسط المملكة ويوقع بأهلها ، ويغير على القرى والمدن ، ففعل ذلك جوهرمز ، وسفك الدماء واستباح من الحرم ما لا يحصى ، واتبعه خرزاسف فاحرق الدواوين ، وقتل لهراسف والهرابذه ، وهدم بيوت النيران ، واستولى على الأموال والكنوز ، وسبى ابنتين لبشتاسب ، يقال لإحداهما : خمانى ، وللأخرى باذافره ، وأخذ - فيما أخذ - العلم الأكبر الذي كانوا يسمونه