محمد بن جرير الطبري
556
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
ضعفه وهو انه عليه - بعوضة فدخلت في منخره ثم ساخت في دماغه حتى عضت بأم دماغه ، فما كان يقر ولا يسكن حتى يوجا له رأسه على أم دماغه ، فلما عرف الموت قال لخاصته من أهله : إذا مت فشقوا راسي ، فانظروا ما هذا الذي قتلني ؟ فلما مات شقوا رأسه ، فوجدوا البعوضة عاضه بأم دماغه ليرى الله العباد قدرته وسلطانه ، ونجى الله من كان بقي في يديه من بني إسرائيل وترحم عليهم وردهم إلى الشام وإلى إيلياء المسجد المقدس ، فبنوا فيه وربلوا وكثروا ، حتى كانوا على أحسن ما كانوا عليه . فيزعمون - والله اعلم - ان الله أحيا أولئك الموتى الذين قتلوا فلحقوا بهم . ثم إنهم لما دخلوا الشام دخلوها وليس معهم عهد من الله ، كانت التوراة قد استبيت منهم فحرقت وهلكت وكان عزيز من السبايا الذين كانوا ببابل فرجع إلى الشام يبكى عليها ليله ونهاره ، قد خرج من الناس فتوحد منهم ، وانما هو ببطون الأودية وبالفلوات يبكى ، فبينما هو كذلك في حزنه على التوراة وبكائه عليها ، إذ اقبل اليه رجل وهو جالس ، فقال : يا عزير ما يبكيك ؟ قال : ابكى على كتاب الله وعهده ، كان بين أظهرنا فبلغت بنا خطايانا ، وغضب ربنا علينا ان سلط علينا عدونا ، فقتل رجالنا ، وأخرب بلادنا ، واحرق كتاب الله الذي بين أظهرنا ، الذي لا يصلح دنيانا وآخرتنا غيره - أو كما قال - فعلام ابكى إذا لم ابك على هذا ! قال : ا فتحب ان يرد ذلك عليك ؟ قال : وهل إلى ذلك من سبيل ؟ قال : نعم ارجع فصم وتطهر وطهر ثيابك ، ثم موعدك هذا المكان غدا فرجع عزير فصام وتطهر وطهر ثيابه ، ثم عمد إلى المكان الذي وعده ، فجلس فيه ، فأتاه ذلك الرجل بإناء فيه ماء - وكان ملكا بعثه الله اليه - فسقاه من ذلك الإناء ، فمثلت التوراة في صدره ، فرجع إلى بني إسرائيل ، فوضع لهم التوراة يعرفونها بحلالها وحرامها وسننها وفرائضها