محمد بن جرير الطبري

550

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

العافية ، وأظهرهم على العدو ، فلا يزدادون الا طغيانا وبعدا منى فحتى متى هذا ! ا بي يتمرسون ! أم إياي يخادعون ! فانى احلف بعزتي لأقيضن لهم فتنه يتحير فيها الحليم ، ويضل فيها رأى ذي الرأي وحكمه الحكيم ثم لاسلطن عليهم جبارا قاسيا عاتيا ، ألبسه الهيبة ، وانزع من صدره الرأفة والرحمة والليان ، يتبعه عدد مثل سواد الليل المظلم ، له عساكر مثل قطع السحاب ، ومراكب أمثال العجاج ، كان خفيق راياته طيران النسور ، وكان حمله فرسانه كرير العقبان . ثم أوحى الله عز وجل إلى ارميا انى مهلك بني إسرائيل بيافث - ويافث أهل بابل ، فهم من ولد يافث بن نوح ع - فلما سمع ارميا وحي ربه صاح وبكى وشق ثيابه ، ونبذ الرماد على رأسه ، فقال : ملعون يوم ولدت فيه ، ويوم لقنت فيه التوراة ، ومن شر أيامي يوم ولدت فيه ، فما أبقيت آخر الأنبياء الا لما هو شر على ، لو أراد بي خيرا ما جعلني آخر الأنبياء من بني إسرائيل ، فمن اجلى تصيبهم الشقوة والهلاك ! فلما سمع الله عز وجل تضرع الخضر وبكاءه ، وكيف يقول ، ناداه : يا ارميا ، أشق عليك ما أوحيت لك ! قال : نعم يا رب ، أهلكني قبل ان أرى في بني إسرائيل ما لا أسر به ، فقال الله تعالى : وعزتي وجلالي لا أهلك بيت المقدس وبني إسرائيل حتى يكون الأمر من قبلك في ذلك ففرح عند ذلك ارميا لما قال له ربه ، وطابت نفسه وقال : لا ، والذي بعث موسى وأنبياءه بالحق ، لا آمر ربى بهلاك بني إسرائيل ابدا . ثم اتى ملك بني إسرائيل فأخبره بما أوحى الله اليه فاستبشر وفرح ، وقال : ان يعذبنا ربنا فبذنوب كثيره قدمناها لأنفسنا ، وان عفا عنا فبقدرته . ثم إنهم لبثوا بعد هذا الوحي ثلاث سنين لم يزدادوا الا معصية وتماديا في الشر ، وذلك حين اقترب هلاكهم ، فقل الوحي حين لم يكونوا يتذكرون الآخرة ، وامسك عنهم حين الهتهم الدنيا وشأنها ، فقال لهم ملكهم :