محمد بن جرير الطبري

539

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

ويعلمهم ان الله مسلط عليهم من يقتل مقاتلتهم ، ويسبى ذراريهم ، ان لم يتوبوا وينزعوا عن سيئ اعمالهم فقال له بختنصر : ما خطبك ؟ فأخبره ان الله بعثه إلى قومه ليحذرهم الذي حل بهم ، فكذبوه وحبسوه فقال بختنصر : بئس القوم قوم عصوا رسول ربهم ! وخلى سبيله ، وأحسن اليه فاجتمع اليه من بقي من ضعفاء بني إسرائيل ، فقالوا : انا قد أسأنا وظلمنا ، ونحن نتوب إلى الله مما صنعنا ، فادع الله ان يقبل توبتنا فدعا ربه فأوحى اليه انهم غير فاعلين ، فان كانوا صادقين فليقيموا معك بهذه البلدة ، فأخبرهم بما امرهم الله به ، فقالوا : كيف نقيم ببلده قد خربت وغضب الله على أهلها ! فأبوا ان يقيموا ، فكتب بختنصر إلى ملك مصر : ان عبيدا لي هربوا منى إليك ، فسرحهم إلى ، والا غزوتك وأوطأت بلادك الخيل فكتب اليه ملك مصر : ما هم بعبيدك ، ولكنهم الأحرار أبناء الأحرار ، فغزاه بختنصر فقتله ، وسبى أهل مصر ، ثم سار في ارض المغرب ، حتى بلغ أقصى تلك الناحية ، ثم انطلق بسبي كثير من أهل فلسطين والأردن ، فيهم دانيال وغيره من الأنبياء . قال : وفي ذلك الزمان تفرقت بنو إسرائيل ، ونزل بعضهم ارض الحجاز بيثرب ووادي القرى ، وغيرها . قال : ثم أوحى الله إلى ارميا - فيما بلغنا : انى عامر بيت المقدس فأخرج إليها ، فانزلها فخرج إليها حتى قدمها وهي خراب ، فقال في نفسه : سبحان الله ! أمرني الله ان انزل هذه البلدة ، وأخبرني انه عامرها ، فمتى يعمر هذه ، ومتى يحييها الله بعد موتها ! ثم وضع رأسه فنام ومعه حماره وسله فيها طعام ، فمكث في نومه سبعين سنه ، حتى هلك بختنصر والملك الذي فوقه ،