محمد بن جرير الطبري

20

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

القول في الدلالة على حدوث الأوقات والأزمان والليل والنهار قد قلنا قبل ان الزمان انما هو اسم لساعات الليل والنهار ، وساعات الليل والنهار انما هي مقادير من جرى الشمس والقمر في الفلك ، كما قال الله عز وجل : « وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ » . فإذا كان الزمان ما ذكرنا من ساعات الليل والنهار ، وكانت ساعات الليل والنهار انما هي قطع الشمس والقمر درجات الفلك ، كان بيقين معلوما ان الزمان محدث والليل والنهار محدثان ، وان محدث ذلك الله الذي تفرد باحداث جميع خلقه ، كما قال : « وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ » . ومن جهل حدوث ذلك من خلق الله فإنه لن يجهل اختلاف أحوال الليل والنهار ، بان أحدهما يرد على الخلق - وهو الليل - بسواد وظلمه ، وان الآخر منهما يرد عليهم بنور وضياء ، ونسخ لسواد الليل وظلمته ، وهو النهار . فإذا كان ذلك كذلك ، وكان من المحال اجتماعهما مع اختلاف أحوالهما في وقت واحد في جزء واحد - كان معلوما يقينا انه لا بد من أن يكون أحدهما كان قبل الآخر منهما ، وأيهما كان منهما قبل صاحبه فان الآخر منهما كان