محمد بن جرير الطبري

484

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

فلم احص من الرقاشي الا هؤلاء الكلمات : رب زل داود زله ابعد مما بين المشرق والمغرب ! رب ان لم ترحم ضعف داود ، وتغفر ذنبه جعلت ذنبه حديثا في الخلوف من بعده فجاءه جبرئيل من بعد أربعين ليله فقال : يا داود ، ان الله قد غفر لك الهم الذي هممت به ، فقال داود : قد علمت أن الله قادر على أن يغفر لي الهم الذي هممت به ، وقد عرفت ان الله عدل لا يميل ، فكيف بفلان إذا جاء يوم القيامة ، فقال : يا رب دمى الذي عند داود ! فقال جبرئيل : ما سالت ربك عن ذلك ، ولئن شئت لأفعلن ، قال : نعم ، قال : فعرج جبرئيل وسجد داود ، فمكث ما شاء الله ثم نزل ، فقال : قد سالت الله يا داود عن الذي أرسلتني فيه فقال : قل له : يا داود ، ان الله يجمعكما يوم القيامة فيقول : هب لي دمك الذي عند داود ، فيقول : هو لك يا رب ، فيقول : فان لك في الجنة ما شئت وما اشتهيت عوضا ] . ويزعم أهل الكتاب ان داود لم يزل قائما بالملك بعد طالوت إلى أن كان من امره وامر امراه أوريا ما كان ، فلما واقع ما واقع من الخطيئة اشتغل بالتوبة منها - فيما زعموا - واستخف به بنو إسرائيل ، ووثب عليه ابن له يقال له ايشى ، فدعا إلى نفسه فاجتمع اليه أهل الزيغ من بني إسرائيل ، قالوا : فلما تاب الله على داود ثابت اليه ثائبه من الناس ، فحارب ابنه حتى هزمه ، ووجه في طلبه قائدا من قواده ، وتقدم اليه ان يتوقى حتفه ، ويتلطف لاسره ، فطلبه القائد وهو منهزم ، فاضطره إلى شجره فركض فيها - وكان ذا جمه - فتعلق بعض أغصان الشجرة بشعره فحبسه ، ولحقه القائد فقتله مخالفا لامر داود ، فحزن داود عليه حزنا شديدا ، وتنكر للقائد ، وأصاب بني إسرائيل في زمانه طاعون جارف ، فخرج بهم إلى موضع بيت المقدس يدعون الله ويسألونه كشف ذلك البلاء عنهم ، فاستجيب لهم ، فاتخذوا ذلك الموضع مسجدا ، وكان ذلك - فيما قيل - لإحدى عشره سنه مضت من ملكه وتوفى قبل ان يستتم بناءه ، فأوصى