محمد بن جرير الطبري

462

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

ما أرى ما تدعو اليه الا باطلا ، والله ما أرى فلانا وفلانا فعد ملوكا من ملوك بني إسرائيل قد عبدوا الأوثان من دون الله الا على مثل ما نحن عليه ، يأكلون ويشربون ويتنعمون ، مملكين ، ما ينقص دنياهم امرهم الذي تزعم أنه باطل ، وما نرى لنا عليهم من فضل . فيزعمون - والله اعلم - ان الياس استرجع وقام شعر رأسه وجلده ، ثم رفضه وخرج عنه ففعل ذلك الملك فعل أصحابه ، عبد الأوثان ، وصنع ما يصنعون فقال الياس : اللهم ان بني إسرائيل قد أبوا الا الكفر بك ، والعبادة لغيرك ، فغير ما بهم من نعمتك أو كما قال . حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمه ، قال : حدثني محمد بن إسحاق ، قال : ذكر لي انه أوحى اليه : انا قد جعلنا امر أرزاقهم بيدك وإليك ، حتى تكون أنت الذي تأمر في ذلك فقال الياس : اللهم فامسك عنهم المطر فحبس عنهم ثلاث سنين حتى هلكت الماشية والدواب والهوام والشجر ، وجهد الناس جهدا شديدا . وكان الياس - فيما يذكرون - حين دعا بذلك على بني إسرائيل قد استخفى شفقا على نفسه منهم ، وكان حيث ما كان وضع له رزق ، فكانوا إذا وجدوا ريح الخبز في دار أو بيت قالوا : لقد دخل الياس هذا المكان ، فطلبوه ، ولقى أهل ذلك المنزل منهم شرا ثم إنه أوى ليله إلى امراه من بني إسرائيل ، لها ابن يقال له اليسع بن اخطوب ، به ضر ، فاوته وأخفت امره ، فدعا الياس لابنها فعوفي من الضر الذي كان به ، واتبع اليسع فآمن به وصدقه ولزمه ، فكان يذهب معه حيثما ذهب ، وكان الياس قد اسن وكبر ، وكان اليسع غلاما شابا فيزعمون - والله اعلم - ان الله أوحى إلى الياس انك قد أهلكت كثيرا من الخلق ممن لم يعص ، سوى بني إسرائيل ممن لم أكن أريد هلاكه بخطايا