محمد بن جرير الطبري

438

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

عليهم ! فلم ينزع عنها يضربها ، فخلى الله سبيلها حين فعل بها ذلك ، فانطلقت حتى إذا أشرفت به على جبل حسبان ، على عسكر موسى وبني إسرائيل ، جعل يدعو عليهم ، فلا يدعو عليهم بشيء الا صرف الله لسانه إلى قومه ، ولا يدعو لقومه بخير الا صرف لسانه إلى بني إسرائيل ، فقال له قومه : ا تدرى يا بلعم ما تصنع ؟ انما تدعو لهم ، وتدعو علينا ، قال : فهذا ما لا املك ، هذا شيء قد غلب الله عليه ، واندلع لسانه فوقع على صدره ، فقال لهم : قد ذهبت الان منى الدنيا والآخرة ، فلم يبق الا المكر والحيلة ، فسامكر لكم واحتال ، جملوا النساء وأعطوهن السلع ، ثم ارسلوهن إلى العسكر يبعنها فيه ، ومروهن فلا تمنع امراه نفسها من رجل أرادها ، فإنه ان زنى رجل واحد منهم كفيتموهم ، ففعلوا ، فلما دخل النساء العسكر مرت امراه من الكنعانيين اسمها كستي ابنه صور - راس أمته وبنى أبيه من كان منهم في مدين ، هو كان كبيرهم - برجل من عظماء بني إسرائيل ، وهو زمري بن شلوم ، راس سبط شمعون بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ، فقام إليها فاخذ بيدها حين اعجبه جمالها ، ثم اقبل حتى وقف بها على موسى ، فقال : انى أظنك ستقول : هذه حرام عليك ! قال : اجل هي حرام عليك لا تقربها ، قال : فوالله لا نطيعك في هذا ، ثم دخل بها قبته فوقع عليها ، فأرسل الله الطاعون في بني إسرائيل وكان فنحاص بن العيزار بن هارون صاحب امر موسى ، وكان رجلا قد اعطى بسطه في الخلق ، وقوه في البطش ، وكان غائبا حين صنع زمري بن شلوم ما صنع ، فجاء والطاعون يحوس في بني إسرائيل ، فأخبر الخبر ، فاخذ حربته - وكانت من حديد كلها - ثم دخل عليهما القبه وهما متضاجعان فانتظمهما بحربته ، ثم خرج بهما رافعهما إلى السماء ، والحربه قد أخذها بذراعه ، واعتمد بمرفقه على خاصرته ، واسند الحربه إلى لحيته - وكان بكر العيزار - فجعل يقول : اللهم هكذا نفعل بمن يعصيك ! ورفع الطاعون فحسب من يهلك من بني إسرائيل في الطاعون - فيما بين ان أصاب زمري المرأة إلى أن قتله