محمد بن جرير الطبري
409
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى قالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى » فكان أول ما اختطفوا بسحرهم بصر موسى وبصر فرعون ، ثم ابصار الناس بعد ، ثم القى كل رجل منهم ما في يده من العصى والحبال ، فإذا هي حيات كأمثال الجبال ، قد ملأت الوادي يركب بعضها بعضا « فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى » ، وقال : والله ان كانت لعصيا في أيديهم ، ولقد عادت حيات ، وما تعدو عصاي هذه - أو كما حدث نفسه - فأوحى الله اليه : « وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى » وفرج عن موسى فالقى عصاه من يده ، فاستعرضت ما ألقوا من حبالهم وعصيهم - وهي حيات في عين فرعون وأعين الناس تسعى - فجعلت تلقفها ، تبتلعها حيه حيه ، حتى ما يرى في الوادي قليل ولا كثير مما ألقوا ، ثم أخذها موسى فإذا هي عصاه في يده كما كانت ، ووقع السحرة سجدا « قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى » ، لو كان هذا سحرا ما غلبنا قال لهم فرعون - واسف ورأى الغلبة البينة : « آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ » ، اى لعظيم السحار الذي علمكم « فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ » - إلى قوله - « فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ » ، اى لن نؤثرك على الله وعلى ما جاءنا من الحجج مع نبيه فاقض ما أنت قاض ، اى فاصنع ما بدا لك ، « إِنَّما تَقْضِي هذِهِ