محمد بن جرير الطبري

358

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

وفنيت ولم تبلغ من السن ما بلغ أبوك ؟ قال : هشمنى وأفناني ما ابتلاني الله به من هم يوسف وذكره فأوحى الله عز وجل اليه : يا يعقوب ا تشكوني إلى خلقي ! قال : يا رب خطيئة أخطأتها فاغفرها لي قال : فانى قد غفرت لك ، فكان بعد ذلك إذا سئل قال : « إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ ، وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ » حدثنا عمرو بن عبد الحميد الاملى ، قال : حدثنا أبو اسامة ، عن هشام عن الحسن ، قال : كان منذ خرج يوسف من عند يعقوب إلى أن رجع ثمانون سنه لم يفارق الحزن قلبه ، ولم يزل يبكى حتى ذهب بصره قال الحسن : والله ما على الأرض خليقة أكرم على الله من يعقوب . ثم امر يعقوب بنيه الذين قدموا عليه من مصر بالرجوع إليها وتحسس الخبر عن يوسف وأخيه ، فقال لهم : اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيئسوا من روح الله يفرج به عنا وعنكم الغم الذي نحن فيه فرجعوا إلى مصر فدخلوا على يوسف فقالوا له حين دخلوا عليه : « أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ » وكانت بضاعتهم المزجاة التي جاءوا بها معهم - فيما ذكر - دراهم رديه زيوفا لا تؤخذ الا بوضيعه وكان بعضهم يقول : كانت حلق الغرارة والحبل ونحو ذلك وقال بعضهم : كانت سمنا وصوفا وقال بعضهم : كانت صنوبرا وحبه الخضراء وقال بعضهم : كانت قليله دون ما كانوا يشترون به قبل ، فسألوا يوسف ان يتجاوز لهم ويوفيهم بذلك من كيل الطعام مثل الذي كان يعطيهم في المرتين قبل ذلك ، ولا ينقصهم فقالوا له : « فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ »