محمد بن جرير الطبري
348
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
« وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ » قال : استعمله الملك على مصر ، وكان صاحب امرها ، وكان يلي البيع والتجارة وامرها كله ، فذلك قوله : « وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ » . فلما ولى يوسف للملك خزائن ارضه واستقر به القرار في عمله ، ومضت السنون السبع المخصبه التي كان يوسف امر بترك ما في سنبل ما حصدوا من الزرع فيها فيه ، ودخلت السنون المجدبه وقحط الناس ، أجدبت بلاد فلسطين فيما أجدب من البلاد ، ولحق مكروه ذلك آل يعقوب في موضعهم الذي كانوا فيه ، فوجه يعقوب بنيه . فحدثنا ابن وكيع ، قال : حدثنا عمرو ، عن أسباط ، عن السدى ، قال : أصاب الناس الجوع حتى أصاب بلاد يعقوب التي هو بها ، فبعث بنيه إلى مصر ، وامسك أخا يوسف بنيامين ، فلما دخلوا على يوسف عرفهم وهم له منكرون ، فلما نظر إليهم قال : أخبروني : ما امركم ؟ فانى انكر شأنكم ! قالوا : نحن قوم من ارض الشام ، قال : فما جاء بكم ؟ قالوا : جئنا نمتار طعاما ، قال : كذبتم ، أنتم عيون ! كم أنتم ؟ قالوا : عشره ، قال : أنتم عشره آلاف ، كل رجل منكم أمير الف فأخبروني خبركم ، قالوا : انا اخوه ، بنو رجل صديق ، وانا كنا اثنى عشر ، وكان أبونا يحب أخا لنا ، وانه ذهب معنا إلى البرية فهلك فيها ، وكان أحبنا إلى أبينا قال : فإلى من سكن أبوكم بعده ؟ قالوا : إلى أخ لنا أصغر منه قال : فكيف تخبروننى ان أباكم صديق وهو يحب الصغير منكم دون الكبير ! ائتوني بأخيكم هذا حتى انظر اليه : « فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ وَإِنَّا لَفاعِلُونَ »