محمد بن جرير الطبري
323
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
البغى والحسد ، فسال الله ان يسلطه عليه ليفتنه عن دينه ، فسلطه الله على ماله دون جسده وعقله ، وجمع إبليس عفاريت الشياطين وعظماءهم ، وكان لأيوب البثنية من الشام كلها بما فيها بين شرقها وغربها ، وكان بها الف شاه برعاتها ، وخمسمائة فدان يتبعها خمسمائة عبد ، لكل عبد امراه وولد ومال ، ويحمل آله كل فدان اتان ، لكل اتان ولد ، بين اثنين وثلاثة وأربعة وخمسه وفوق ذلك فلما جمعهم إبليس ، قال : ما ذا عندكم من القوه والمعرفة ؟ فانى قد سلطت على مال أيوب ، فهي المصيبة الفادحة والفتنة التي لا يصبر عليها الرجال فقال كل من عنده قوه على اهلاك شيء ما عنده فأرسلهم فاهلكوا ماله كله ، وأيوب في كل ذلك يحمد الله ولا يثنيه شيء أصيب به من ماله عن الجد في عباده الله تعالى والشكر له على ما أعطاه ، والصبر على ما ابتلاه به فلما رأى ذلك من امره إبليس لعنه الله سال الله تعالى ان يسلطه على ولده ، فسلطه عليهم ، ولم يجعل له سلطانا على جسده وقلبه وعقله ، فأهلك ولده كلهم ، ثم جاء اليه متمثلا بمعلمهم الذي كان يعلمهم الحكمة جريحا مشدوخا يرققه حتى رق أيوب فبكى ، فقبض قبضه من تراب فوضعها على رأسه ، فسر بذلك إبليس ، واغتنمه من أيوب ع . ثم إن أيوب تاب واستغفر ، فصعدت قرناؤه من الملائكة بتوبته فبدروا إبليس إلى الله عز وجل فلما لم يثن أيوب ع ما حل به من المصيبة في ماله وولده عن عباده ربه ، والجد في طاعته ، والصبر على ما ناله ، سال الله عز وجل إبليس ان يسلطه على جسده ، فسلطه على جسده خلا لسانه وقلبه وعقله ، فإنه لم يجعل له على ذلك منه سلطانا ، فجاءه وهو ساجد ، فنفخ في منخره نفخه اشتعل منها جسده ، فصار من جمله امره إلى أن أنتن