محمد بن جرير الطبري
237
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
والشراب وما يصلحها وان الملك لما طال عليه الأمر قال : قول سحره كذابين . ارجعوا إلى بلدكم ، فرجعوا وولد إبراهيم فكان في كل يوم يمر كأنه جمعه ، والجمعة كالشهر ، والشهر كالسنة من سرعه شبابه ، ونسي الملك ذلك ، وكبر إبراهيم ولا يرى أن أحدا من الخلق غيره وغير أبيه وأمه ، فقال أبو إبراهيم لأصحابه : ان لي ابنا قد خبأته ، ا فتخافون عليه الملك ان انا جئت به ؟ قالوا : لا ، فات به فانطلق فأخرجه ، فلما خرج الغلام من السرب نظر إلى الدواب والبهائم والخلق ، فجعل يسال أباه : ما هذا ؟ فيخبره عن البعير انه بعير ، وعن البقرة انها بقره ، وعن الفرس انه فرس ، وعن الشاه انها شاه ، فقال : ما لهؤلاء الخلق بد من أن يكون لهم رب ، وكان خروجه حين خرج من السرب بعد غروب الشمس ، فرفع رأسه إلى السماء فإذا هو بالكوكب وهو المشترى ، فقال : « هذا رَبِّي » ، فلم يلبث ان غاب ، فقال « لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ » ، اى لا أحب ربا يغيب قال ابن عباس : وخرج في آخر الشهر ، فلذلك لم ير القمر قبل الكواكب ، فلما كان آخر الليل رأى القمر بازغا قد طلع ، فقال : « هذا رَبِّي ، فَلَمَّا أَفَلَ » يقول : غاب ، « قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ » ، فلما أصبح ورأى الشمس بازغة ، قالَ : « هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ » ، فلما غابت قال الله له : اسلم ، قال : قد أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ ثم اتى قومه فدعاهم فقال : « يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً » يقول مخلصا : فجعل يدعو قومه وينذرهم . وكان أبوه يصنع الأصنام فيعطيها ولده فيبيعونها ، وكان يعطيه فينادى : من يشترى ما يضره ولا ينفعه ؟ فيرجع اخوته وقد باعوا أصنامهم ، ويرجع إبراهيم باصنامه كما هي ، ثم دعا أباه فقال : « يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً » قال : « أَ راغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا » قال : ابدا ثم قال له أبوه :