محمد بن جرير الطبري
مقدمة 25
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
الكتاب ، وفيما عدا ذلك ينقل من الكتب ؛ فيصرح باسم الكتاب أحيانا ، أو ينقل عن المؤلفين من غير تعيين الكتاب الذي نقل عند أحيانا . وقد كان اعتماده هذا المنهج مثارا للنقد عند بعض الباحثين ، قالوا : إن سياقة الأخبار دون تمحيصها أمر لا يليق بالمؤرخ النافقد البصير ، وإذا كانت طريقة رواية الخبر بذكر السند - ورجاله معروفون عند علماء الجرح والتعديل - تضمن صحة الأخبار وتمحيصها في الأخبار التي وقعت في الإسلام ؛ فأن هذه الطريقة تقصر عن ضمان صحة ذلك فيما قبل الإسلام ؛ وخاصة وقد وقع في هذا التاريخ كثير من الأخبار الواهية ، والقصص الزائفة ، كالإسرائيليات وبعض أخبار الفرس ؛ كما أورد أيضا كثيرا من الأحاديث الموضوعة كالأحاديث الواردة في بدة الخلق وسير الأنبياء ؛ مما لا يرتضيه المحدثون . وربما كان عذر الطبري في ذلك هو عذر رواة الحديث ؛ فيذكرون الحديث بطرقه ورجاله ؛ تاركين الحكم للقارئ ؛ أمانة للعلم وإبراء للذمة ؛ قال في مقدمة كتابه : " وليعلم الناظر في كتابنا أن اعتمادي في كل ما أحضرت ذكره فيه ؛ مما شرطت أنى راسمه فيه ؛ إنما هو على ما رويت من الأخبار التي أنا ذاكرها فيه ، والآثار التي أنا مسندها إلى رواتها ؛ دون ما أدرك بحجج العقول واستنبط بفكر النفوس ؛ إلا اليسير القليل منه ؛ إذ كان العلم بأخبار الماضين ، وما هو كائن من أبناء الحادثين ؛ غير واصل إلى من لم يشاهدهم ولم يدرك زمانهم إلا بأخبار المخبرين ونقل الناقلين ، دون الاستخراج بالعقول ، والاستنباط بفكر النفوس ، فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين ؛ مما يستنكره قارئه ، أو يستشنعه سامعه ؛ من أجل أنه لم يعرف له وجها من الصحة ولا معنى في الحقيقة ؛ فليلعم أنه لم يؤت في ذلك من قبلنا ؛ وإنما أتى في بعض ناقليه إلينا ، وأنا إنما أدينا ذلك على نحو ما أدى إلينا " ( 1 ) . وفى هذا النص الصريح ؛ ما يشير إلى مذهبه فيما ورد في كتاب من تلك الأخبار .
--> ( 1 ) تاريخ الطبري 1 : 7 ، 8 ( طبعة المعارف ) .