محمد بن جرير الطبري
مقدمة 22
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
من البلاد صلحا ، وما فتح منها عنوة ؛ ليقيموا الجزية والخراج على أساس ما رسمه الإسلام في ذكل من تشريع ؛ وأخذت الرواية التاريخية تتخذ لونا جديدا ، أطلق عليها اسم الأخبار ، ودعى من يرويها بالأخبار ، كما أطلقوا على من يروى الحديث اسم المحدث ؛ وظهرت في ذلك مؤلفات ، فصنف محمد بن السائب الكلبي كتابا في الأنساب ، وعوانة بن الحكم في أخبار بنى أمية وأبو مخنف في أخبار الرد والجمل وصفين ، وسيف في أخبار الفتوح ، وابن هشام في ملوك حمير . . . وما إن انقضى القرن الثاني حتى أخذت المادة التاريخية تزيد تبعا لتطور الحياة العربية ، واستقرت دواوين الإنشاء والجند والبرد ، تنوعت العهود والوثائق والمراسلات ، ومست الحاجة إلى معرفة المواليد والوفيات ، ومدد ولايات الخلفاء والولاة والقضاة والقواد وأمراء المواسم في الحج ؛ ثم ظهرت الكتب المترجمة عن الفرس واليونان والسريان ، وكثرت الرحلة بين البلاد ؛ وتعددت المشاهد ، واطلع العرب على ما لم يكونوا رأوه من عجائب البلاد ، وحضارات الأمم ؛ عدا ما كان اتساع الفتوح ، وكثرة الأحداث ؛ فوجد العلماء للتاريخ منابع رافدة ، ومناهل متنوعة ، ومصادر كثيرة ؛ وأحسوا أن لعلم التاريخ أثرا في بناء الأمم ، وفهم الثقافات ، وإرساء العلوم على قواعد ثابتة ؛ ولم ير الأفاضل منهم بأسا في أن يضعوا أسفارا في التاريخ ؛ فعل ذلك الواقدي في كتب الفتوح ، والبلاذري في كتابيه البلدان وأنساب الأشراف ، وابن قتيبة في المعارف ، وابن حبيب في المجبر ، والدينوري في الأخبار الطوال ، إلى أن انتهى الأمر إلى الإمام محمد بن جرير الطبري ، فوضع فيه كتابه العتيد ( 1 ) . * * * ولا يعلم على وجه التحديد التاريخ الذي بدأ فيه أبو جعفر إملاء هذا الكتاب ؛ ويظهر أنه ألفه بعد كتاب التفسير ، روى الخطيب أن أبا جعفر الطبري قال لأصحابه : أتنشطون لتفسير القرآن ؟ قالوا : كم يكون قدره ؟ قال : ثلاثون ألف ورقة ، فقالوا : إن هذا مما يفي الأعمار قبل تمامه ، فاختصره في نحو ثلاثة آلاف ورقة ، ثم قال : أتنشطون لتاريخ العالم من آدم إلى وقتنا هذا ؟ قالوا :
--> ( 1 ) انظر ترجمة علم التاريخ لهرنشو ، والفصل الذي ألحقه به مترجمه عبد الحميد العبادي عن التاريخ عند العرب .