محمد بن جرير الطبري

131

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

ثم إن الله عز ذكره فيما ذكر انزل آدم من الجبل الذي أهبطه عليه إلى سفحه ، وملكه الأرض كلها ، وجميع ما عليها من الجن والبهائم والدواب والوحش والطير وغير ذلك ، وان آدم ع لما نزل من راس ذلك الجبل ، وفقد كلام أهل السماء ، وغابت عنه أصوات الملائكة ، ونظر إلى سعة الأرض وبسطتها ، ولم ير فيها أحدا غيره ، استوحش فقال : يا رب ، اما لأرضك هذه عامر يسبحك غيرى ! فأجيب بما حدثني المثنى بن إبراهيم ، قال : أخبرنا إسحاق بن الحجاج ، قال : حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم ، قال : حدثني عبد الصمد ابن معقل ، انه سمع وهبا يقول : ان آدم لما اهبط إلى الأرض فرأى سعتها ولم ير فيها أحدا غيره قال : يا رب ، ا ما لأرضك هذه عامر يسبح بحمدك ويقدس لك غيرى ! قال الله : انى سأجعل فيها من ولدك من يسبح بحمدي ويقدسني ، وسأجعل فيها بيوتا ترفع لذكرى ، ويسبح فيها خلقي ، ويذكر فيها اسمى ، وسأجعل من تلك البيوت بيتا اخصه بكرامتي ، وأوثره باسمي ، واسميه بيتي ، انطقه بعظمتي ، وعليه وضعت جلالي ثم انا مع ذلك في كل شيء ومع كل شيء ، اجعل ذلك البيت حرما آمنا يحرم بحرمته من حوله ومن تحته ومن فوقه ، فمن حرمه بحرمتي استوجب بذلك كرامتي ، ومن أخاف أهله فيه فقد أخفر ذمتي ، وأباح حرمتي اجعله أول بيت وضع للناس ببطن مكة مباركا ، يأتونه شعثا غبرا على كل ضامر ، من كل فج عميق ، يرجون بالتلبية رجيجا ، ويثجون بالبكاء ثجيجا ، ويعجون بالتكبير عجيجا ، فمن اعتمده ولا يريد غيره فقد وفد إلى وزارني وضافنى ، وحق على الكريم ان يكرم وفده وأضيافه ، وان يسعف كلا بحاجته تعمره يا آدم ما كنت حيا ، ثم تعمره الأمم والقرون والأنبياء من ولدك أمه بعد أمه ، وقرنا بعد قرن . ثم امر آدم ع - فيما ذكر - ان يأتي البيت الحرام الذي اهبط