محمد بن جرير الطبري

مقدمة 14

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

حيائى حافظ لي ماء وجهي * ورفقى في مرافقتي رفيقي ولو أنى سمحت بماء وجهي * لكنت إلى الغنى سهل الطريق وقوله : خلقان لا أرضى طريقهما * بطر الغنى ومذلة الفقر فإذا غنيت فلا تكن بطرا * وإذا افتقرت فته على الدهر قود اختاره في تاريخه من عيون الشعر ومنخول الخطب والرسائل والوصايا ، ما يشير إلى طول باعه في هذا الشأن . قال أبو عمر الزاهد : سمعت ثعلبا يقول : " قرأ على أبو جعفر شعر الشعراء قبل أن يكثر الناس " . وقال في حقه : " إنه من حذاق الكوفيين " . قال أبو عمر : وكان أبو العباس قليل الشهادة للناس . وكان حسن الرأي جميل الطريقة ، لا يخلى ليله من تلاوة القرآن ، ويذهب في جل مذهبه إلى ما عليه الجماعة من السلف ، جاريا على طريق أهل السنة ؛ لم يقصد فيما ألف حاجة من سلطان ، أو تزلفا إلى عظيم ، دعاه الخليفة المكتفى لتأليف كتاب في الوقف يجتمع عليه أقوال العلماء ، ويسلم من الخلاف ، فلما ألفه وأملاه أعجب الخليفة ، وأمر له يجائزة سنية فردها ، فروجع في ذلك وقيل له : من وصل إلى مقام الخليفة لم يحسن أن ينصرف إلا بجائزة أو قضاء حاجة ؛ فقال : أما قضاء الحاجة فأنا أسأل أمير المؤمنين أن يحمل أصحاب الشرط أن يمنعوا السؤال من دخول المقصورة يوم الجمعة حتى تنقضى الخطبة . وقد بلغ الغاية في شرف النفس ، وكمال الغفة ؛ ونظافة الملبس والأعضاء ، وحلاوة المعاشرة ؛ وحسن التفقد لإخوانه ، وجمال الرعاية لهم ؛ رقيق حواشي الكلام مع دعابة وظرف ، ورقة ولطف ؛ وله في كل ذلك قصص وأخبار ؛ أفردها أبو بكر بن كامل في كتابه ؛ وكذلك فعل عبد العزيز بن محمد الطريى ؛ وعن هذين الكتابين نقل ياقوت معظم ما أورد في كتابه عن محمد بن جرير . وذكر القفطي في كتابه " إنباه الرواة " أنه وضع في سيرة الطبري كتابا أسماه " التحرير في أخبار محمد بن جرير " . وصفة بأنه " كتاب ممتع " ؛ وضاع فيما ضاع من كتبه .