محمد بن جرير الطبري
124
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
حدثني الحارث ، قال : حدثنا ابن سعد ، قال : حدثنا هشام بن محمد ، قال : أخبرني أبى ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس ، قال : لما حط من طول آدم ع إلى ستين ذراعا أنشأ يقول : رب ، كنت جارك في دارك ، ليس لي رب غيرك ، ولا رقيب دونك ، آكل فيها رغدا ، واسكن حيث أحببت ، فاهبطتنى إلى هذا الجبل المقدس ، فكنت اسمع أصوات الملائكة ، وأراهم كيف يحفون بعرشك ، وأجد ريح الجنة وطيبها ، ثم اهبطتنى إلى الأرض ، وحططتنى إلى ستين ذراعا ، فقد انقطع عنى الصوت والنظر ، وذهب عنى ريح الجنة فأجابه الله عز وجل : لمعصيتك يا آدم فعلت ذلك بك فلما رأى الله تعالى عرى آدم وحواء امره ان يذبح كبشا من الضان من الثمانية الأزواج التي انزل من الجنة ، فاخذ كبشا فذبحه ، ثم أخذ صوفه فغزلته حواء ، ونسجه هو وحواء ، فنسج آدم جبه لنفسه ، وجعل لحواء درعا وخمارا ، فلبسا ذلك ، وأوحى الله تعالى إلى آدم ان لي حرما بحيال عرشي ، فانطلق فابن لي فيه بيتا ، ثم حف به كما رايت ملائكى يحفون بعرشى ، فهنالك استجيب لك ولولدك ، من كان منهم في طاعتي ، فقال آدم : اى رب ، فكيف لي بذلك ، لست أقوى عليه ولا اهتدى له ! فقيض الله له ملكا ، فانطلق به نحو مكة ، فكان آدم إذا مر بروضه ومكان يعجبه قال للملك : انزل بنا هاهنا ، فيقول له الملك : مكانك ، حتى قدم مكة ، فكان كل مكان نزل به صار عمرانا ، وكل مكان تعداه صار مفاوز وقفارا ، فبنى البيت من خمسه اجبل : من طور سيناء وطور زيتون ولبنان والجودي ، وبنى قواعده من حراء ، فلما فرغ من بنائه خرج به الملك إلى عرفات ، فأراه المناسك كلها التي تفعلها الناس اليوم ، ثم قدم به مكة ، فطاف بالبيت أسبوعا ، ثم رجع إلى ارض الهند ، فمات على بوذ