محمد بن جرير الطبري

88

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب ان يقال كما قال الله عز وجل : « وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ » ، وجائز ان يكون فسوقه عن امر ربه كان من اجل انه كان من الجن ، وجائز ان يكون من اجل إعجابه بنفسه لشدة اجتهاده كان في عباده ربه ، وكثره علمه ، وما كان اوتى من ملك السماء الدنيا والأرض وخزن الجنان وجائز ان يكون كان لغير ذلك من الأمور ، ولا يدرك علم ذلك الا بخبر تقوم به الحجة ، ولا خبر في ذلك عندنا كذلك ، والاختلاف في امره على ما حكينا ورويناه . وقد قيل : ان سبب هلاكه كان من اجل ان الأرض كان فيها قبل آدم الجن ، فبعث الله إبليس قاضيا يقضى بينهم ، فلم يزل يقضى بينهم بالحق الف سنه حتى سمى حكما ، وسماه الله به ، وأوحى اليه اسمه ، فعند ذلك دخله الكبر ، فتعظم وتكبر ، والقى بين الذين كان الله بعثه إليهم حكما الباس والعداوة والبغضاء ، فاقتتلوا عند ذلك في الأرض الفي سنه فيما زعموا ، حتى أن خيولهم تخوض في دمائهم ، قالوا : وذلك قول الله تبارك وتعالى : « أَ فَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ » ، وقول الملائكة : « أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ » ! فبعث الله تعالى عند ذلك نارا فأحرقتهم قالوا : فلما رأى إبليس ما نزل بقومه من العذاب عرج إلى السماء ، فأقام عند الملائكة يعبد الله في السماء مجتهدا لم يعبده شيء من خلقه مثل عبادته ، فلم يزل مجتهدا في العبادة حتى خلق الله آدم ، فكان من امره ومعصيته ربه ما كان