محمد بن جرير الطبري

78

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك عندنا ان يقال : ان الله تعالى ذكره خلق شمس النهار وقمر الليل آيتين ، فجعل آية النهار التي هي الشمس مبصره يبصر بها ، ومحا آية الليل التي هي القمر بالسواد الذي فيه . وجائز ان يكون الله تعالى ذكره خلقهما شمسين من نور عرشه ، ثم محا نور القمر بالليل على نحو ما قاله من ذكرنا قوله ، فكان ذلك سبب اختلاف حالتيهما . وجائز ان يكون اضاءه الشمس للكسوة التي تكساها من ضوء العرش ، ونور القمر من الكسوة التي يكساها من نور الكرسي . ولو صح سند أحد الخبرين اللذين ذكرتهما لقلنا به ، ولكن في أسانيدهما نظرا ، فلم نستجز قطع القول بتصحيح ما فيهما من الخبر عن سبب اختلاف حال الشمس والقمر ، غير انا بيقين نعلم أن الله عز وجل خالف بين صفتيهما في الإضاءة لما كان اعلم به من صلاح خلقه باختلاف أمريهما ، فخالف بينهما ، فجعل أحدهما مضيئا مبصرا به ، والآخر ممحو الضوء . وانما ذكرنا قدر ما ذكرنا من امر الشمس والقمر في كتابنا هذا ، وان كنا قد أعرضنا عن ذكر كثير من أمرهما واخبارهما ، مع اعراضنا عن ذكر بدء خلق الله السماوات والأرض وصفه ذلك ، وسائر ما تركنا ذكره من جميع خلق الله في هذا الكتاب ، لان قصدنا في كتابنا هذا ذكر ما قدمنا الخبر عنه انا ذاكروه فيه من ذكر الأزمنة وتاريخ الملوك والأنبياء والرسل ، على ما قد شرطنا في أول هذا الكتاب ، وكانت التاريخات والأزمنة انما توقت بالليالي والأيام التي انما هي مقادير ساعات جرى الشمس والقمر في افلاكهما على ما قد ذكرنا في الاخبار التي رويناها عن رسول الله ص ، وكان ما كان قبل