محمد بن جرير الطبري
74
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
بعد ذلك يكسيان النور والضوء ، ويطلعان على الناس ويغربان كما كانا قبل ذلك ، واما الناس فإنهم نظروا إلى ما نظروا اليه من فظاعة الآية ، فيلحون على الدنيا حتى يجروا فيها الأنهار ، ويغرسوا فيها الشجر ، ويبنوا فيها البنيان واما الدنيا فإنه لو انتج رجل مهرا لم يركبه من لدن طلوع الشمس من مغربها إلى يوم ينفخ في الصور . فقال حذيفة بن اليمان : انا وأهلي فداؤك يا رسول الله ! فكيف هم عند النفخ في الصور ! فقال : يا حذيفة ، والذي نفس محمد بيده ، لتقومن الساعة ولينفخن في الصور والرجل قد لط حوضه فلا يسقى منه ، ولتقومن الساعة والثوب بين الرجلين فلا يطويانه ، ولا يتبايعانه ولتقومن الساعة والرجل قد رفع لقمته إلى فيه فلا يطعمها ، ولتقومن الساعة والرجل قد انصرف بلبن لقحته من تحتها فلا يشربه ، ثم تلا رسول الله ص هذه الآية : « وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ » . فإذا نفخ في الصور ، وقامت الساعة ، وميز الله بين أهل الجنة وأهل النار ولما يدخلوهما بعد ، إذ يدعو الله عز وجل بالشمس والقمر ، فيجاء بهما أسودين مكورين قد وقعا في زلزال وبلبال ، ترعد فرائصهما من هول ذلك اليوم ومخافه الرحمن ، حتى إذا كانا حيال العرش خرا لله ساجدين ، فيقولان : إلهنا قد علمت طاعتنا ودءوبنا في عبادتك ، وسرعتنا للمضى في امرك أيام الدنيا ، فلا تعذبنا بعباده المشركين إيانا ، فانا لم ندع إلى عبادتنا ، ولم نذهل عن عبادتك ! قال : فيقول الرب تبارك وتعالى : صدقتما ، وانى قضيت على نفسي ان أبدئ وأعيد ، وانى معيدكما فيما بداتكما منه ، فارجعا إلى ما خلقتما منه ،