محمد بن جرير الطبري
71
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
عده الليالي منذ يوم خلق الله الدنيا إلى يوم تصرم ، فإذا كان عند الغروب اقبل ملك قد وكل بالليل فيقبض قبضه من ظلمه ذلك الحجاب ، ثم يستقبل المغرب ، فلا يزال يرسل من الظلمة من خلل اصابته قليلا قليلا وهو يراعى الشفق ، فإذا غاب الشفق ارسل الظلمة كلها ثم ينشر جناحيه ، فيبلغان قطري الأرض وكنفي السماء ، ويجاوزان ما شاء الله عز وجل خارجا في الهواء ، فيسوق ظلمه الليل بجناحيه بالتسبيح والتقديس والصلاة لله حتى يبلغ المغرب ، فإذا بلغ المغرب انفجر الصبح من المشرق ، فضم جناحيه ، ثم يضم الظلمة بعضها إلى بعض بكفيه ، ثم يقبض عليها بكف واحده نحو قبضته إذا تناولها من الحجاب بالمشرق ، فيضعها عند المغرب على البحر السابع من هناك ظلمه الليل فإذا ما نقل ذلك الحجاب من المشرق إلى المغرب نفخ في الصور ، وانقضت الدنيا ، فضوء النهار من قبل المشرق ، وظلمه الليل من قبل ذلك الحجاب ، فلا تزال الشمس والقمر كذلك من مطالعهما إلى مغاربهما إلى ارتفاعهما ، إلى السماء السابعة العليا ، إلى محبسهما تحت العرش ، حتى يأتي الوقت الذي ضرب الله لتوبه العباد ، فتكثر المعاصي في الأرض ويذهب المعروف ، فلا يأمر به أحد ، ويفشو المنكر فلا ينهى عنه أحد . فإذا كان ذلك حبست الشمس مقدار ليله تحت العرش ، فكلما سجدت واستأذنت : من اين تطلع ؟ لم يحر إليها جواب ، حتى يوافيها القمر ويسجد معها ، ويستأذن : من اين يطلع ؟ فلا يحار اليه جواب ، حتى يحبسهما مقدار ثلاث ليال للشمس ، وليلتين للقمر ، فلا يعرف طول تلك الليلة الا المتهجدون في الأرض ، وهم حينئذ عصابه قليله في كل بلده من بلاد المسلمين ، في هو ان من الناس وذله من أنفسهم ، فينام أحدهم تلك الليلة قدر ما كان ينام قبلها من الليالي ، ثم يقوم فيتوضأ ويدخل مصلاه فيصلى ورده ، كما كان يصلى