ابن عابدين

5

حاشية رد المحتار

والمتقوم ما يمكن ادخاره مع الإباحة ، فالخمر مال لا متقوم ، فلذا فسد البيع بجعلها ثمنا ، وإنما لم ينعقد أصلا بجعلها مبيعا لان الثمن غير مقصود بل وسيلة إلى المقصود ، إذ الانتفاع بالأعيان لا بالأثمان ، ولهذا اشترط وجود المبيع دون الثمن ، فبهذا الاعتبار صار الثمن من جملة الشروط بمنزلة آلات الصناع ، وتمام تحقيقه في فصل النهي من التلويح ، ومن هذا قال في البحر : ثم اعلم أن البيع وإن كان مبناه على البدلين لكن الأصل فيه المبيع دون الثمن ، ولذا تشترط القدرة على المبيع دون الثمن وينفسخ بهلاك المبيع دون الثمن ا ه‍ . وفي التلويح أيضا من بحث القضاء : والتحقيق أن المنفعة ملك لا مال ، لان الملك ما من شأنه أن يتصرف فيه بوصف الاختصاص ، والمال ما من شأنه أن يدخر للانتفاع وقت الحاجة ، والتقويم يستلزم المالية عند الامام والملك عند الشافعي ، وفي البحر عن الحاوي القدسي ، المال اسم لغير الآدمي ، خلق لمصالح الآدمي وأمكن احرازه والتصرف فيه على وجه الاختيار والعبد وإن كان فيه معنى المالية لكنه ليس بمال حقيقة حتى لا يجوز قتله وإهلاكه ا ه‍ . قلت : وفيه نظر ، لان المال المنتفع به في التصرف على الوجه الاختيار والقتل والاهلاك ليس بانتفاع ، ولان الانتفاع بالمال يعتبر في كل شئ بما يصلح له ، ولا يجوز إهلاك شئ من المال بلا انتفاع أصلا كقتل الدابة بلا سبب موجب . قوله : ( بدليل وشروه بثمن بخس ) أي باعوه : أي إخوة يوسف بثمن ناقص وقيل : باعوه بعشرين درهما ، فالآية دليل على أن البيع لا يلزم كون المبيع فيه مالا ، لان الحر لا يملك . قلت : وفيه أن أهل اللغة في الجاهلية كانوا يسترقون الأحرار ويبيعونهم ، فلا تدل الآية على أن البيع لغة لا يشترط فيه المالية ، على أن الظاهر أن الحر يملك قبل شرعنا ، بدليل : * ( قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه ) * ثم رأيت ذلك في القهستاني من البيع الفاسد حيث قال : إن الحر كان مالا في شريعة يعقوب عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام حتى استرق السارق كما في شرح التأويلات ، فلا ينبغي أن يقال : إنه لم يكن مالا عند أحد ا ه‍ . فالأولى الاستدلال بمثل : * ( ان الله اشترى من المؤمنين أنفسهم فاستبشروا ببيعكم ) * ( التوبة : 111 ) * ( أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى ) * ( البقرة : 61 ) ونحوه ، ولا يخفى أن دعوى المجاز في ذلك خلاف الأصل ، فافهم . وبهذا ظهر أن تعريفه لغة بما ذكره الشارح تبعا للمحيط أولى مما في الفتح عن فخر الاسلام من أن البيع لغة مبادلة المال بالمال ، لكن يرد على الأول أنه يدخل فيه النكاح ، إلا أن يراد بالمقابلة ما يكون على وجه التمليك حقيقة . تأمل . قوله : ( وهو من الأضداد ) أي من الألفاظ التي تطلق على الشئ وعلى ضده ، كما في قوله تعالى : * ( وكان وراءهم ملك ) * أي قدامهم . قال في الفتح : يقال : باعه إذا أخرج العين من ملكه إليه ، وباعه أي اشتراه ا ه‍ . وكذا الشراء بدليل : * ( وشروه بثمن بخس ) * فيطلق كل منهما على الآخر . وفي المصباح : والبيع من الأضداد مثل الشراء ، ويطلق على كل واحد من المتعاقدين أنه بائع ، لكن إذا أطلق البائع فالمتبادر إلى الذهن باذل السلعة ، قوله : ( ويستعمل متعديا ) أي بنفسه إلى مفعولين . قوله : ( وبمن للتأكيد ) كبعت من زيد الدار ، وظاهر الفتح أنها للتعدية ، لأنه قال : ويتعدى بنفسه وبالحرف . قوله : ( وباللام ) أي قليلا . وعبارة ابن القطاع على ما في المصباح : وربما دخلت اللام مكان من ، تقول : بعتك الشئ وبعت لك فهي زائدة اه‍ .